الحرية الدينية والصراعات

الحرية الدينية والصراعات

مراجعة للأدلة

روجر فينك Roger Finke و روبرت ر. مارتن Robert R. Martin

جامعة ولاية بنسلفانيا Pennsylvania State University

الحريات الدينية في السياق العالمي

بالرغم من كونها وُصفت بأنها يتيمة الحريات الدينية في التسعينيات، فإن الحرية الدينية هي واحدة من أوائل الحقوق التي تم الاعتراف بها بموجب القانون الدولي. وحتى في وقتنا هذا فإن مراجعة للوثائق الرسمية الدولية والوطنية حول الدين تشير إلى أن الحكومات والمجتمع الدولي يدركون مكانة الحريات الدينية ضمن كوكبة حقوق الإنسان. توفر المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة الضمانات التالية:

“لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة.”

كما واعتُمدت المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة كمثال يحتذى به في العديد من الدساتير. في الواقع، فإن الجملة الافتتاحية من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تم نسخها من الإعلان. تتجاوز هذه النَّمذَجة حدود أوروبا، حيث دمجت بعض البلدان مثل الكاميرون وإثيوبيا المادة 18 في دساتيرها كلمة كلمة.

بالحقيقة فإن عدم وجود ضمانات للحرية الدينية هو الأمر النادر الحدوث. حتى العام 2008 كان لـِ 29 بالمائة من الدول (126) والتي يربو عديد سكانها عن المليوني نسمة دساتير تنص على الحرية الدينية، وقصَّرت إحدى عشرة دولة فقط عن تضمينها لهذه الضمانات. على الرغم من العديد من التصريحات الرسمية الواعدة بالحريات فإن الهوة شاسعة بين الوعد بالحرية الدينية والاحترام الفعلي لها. في الواقع فإن نظرة أكثر توثيقاً تكشف عن أن الكثير من الدساتير توفر ضمانات للحرية الدينية في عبارة واحدة، ولكنها تفتح الباب للحرمان من الحريات في أقسام أخرى من الدستور نفسه. يقدّم الدستور الجديد لأفغانستان واحدة من أمثلة كثيرة، فالمادة (2) تعد بأن لغير المسلمين من “الأديان حرية ممارسة دينهم وأداء شعائرهم الدينية ضمن حدود أحكام القانون” والمادة (3) توضح أنه ” لا يمكن لأي قانون أن يكون مخالفاً لمعتقدات وأحكام دين الإسلام المقدس”. وكما يفسر حالياً في أفغانستان، فإن هذا يلغي المجاهرة العلنية بعقيدة أخرى غير الإسلام وينفي حرية اعتناق ديانة أخرى غير الإسلام.

بالنسبة للدولة والأغلبية الثقافية، غالباً ما ينظر إلى الأقليات الدينية أنها تهدد “النظام العام”. إحدى الأمثلة العديدة كانت عندما فوضت الجمعية الوطنية في فرنسا عام 1995 لجنة غيست Gest Commission كي تقدم تقريراً عن مخاطر الطوائف الدينية على الفرد والمجتمع على حد سواء. وخلصت اللجنة أنه لا يمكنها تحديد أو قياس ماهية الطائفة، بيد أنها حددت 173 مذهباً وطائفة خطرة في فرنسا وحدها. كانت المخاطر المرتبطة بالطوائف غامضة أيضاً، بما في ذلك “الاعتماد النفسي”، “الخداع” و “سوء المعاملة”، مع أن القليل من الأمثلة قد تم تقديمها.

قائمة طويلة من تقارير الجماعات المدافعة نفت، ولكن الدليل الأكثر إقناعاً أتى من المصادر التي ليست لها علاقات بالمجموعات التي تم تقييدها. في عام 2009، خلصت أسمى جهانجير Jahangir Asma وهي مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحرية الدينية، خلصت إلى أن “التمييز القائم على أساس الدين أو المعتقد والذي يمنع الأفراد من التمتع الكامل بجميع حقوق الإنسان الخاصة بهم لا يزال يحدث في جميع أنحاء العالم وعلى أساس يومي”.

توثق جميع التدابير المتعددة للحرية الدينية التي تم جمعها منذ عام 2000 أن الحريات الدينية غالباً ما يتم انتهاكها. القوانين التي تنكر الحريات الدينية أمر روتيني الحدوث حتى عندما نحصر دائرة البحث في البلدان التي توفر الحرية الدينية في دساتيرها. من بين البلدان الـ 126 التي تتضمن دساتيرها بنوداً تؤكد على الحرية الدينية، فإن 55 بالمائة منها (اي 69 بلداً) لها قوانين تتعارض مع حرية ممارسة الدين. معظم هذه البلدان (أي 53 من اصل 69 بلداً) لديها قوانين مكتوبة تنظم وتقيد بعض الديانات من دون غيرها، وعلى الرغم من الضمانات الدستورية لحرية العبادة فإن لدى ستة من هذه البلدان نظماً قانونية تمنع حرية ممارسة الدين. من بين البلدان الإحدى عشر التي لا تبشر بالحرية الدينية، جميعها لها نظم قانونية تعرقل حرية ممارسة الدين لدى بعض الجماعات الدينية على الأقل.

تشير الدراسات إلى أن أكثر من اثنتين من كل خمس حكومات تتدخل في حق الفرد في العبادة وأن ثماني عشرة بالمائة منها تدخلت بشدة. عند تجميع فهرس موجزة عن الحريات الدينية في العام 2009 قدم منتدى الدين والحياة العامة التابع لمركز بيو للأبحاث Pew Research Center أن لدى حوالي ثلث جميع البلدان “قيوداً شديدة أو شديدة جداً على أساس الدين”. وعلى ذلك يمضي التقرير بالشرح أنه بسبب أن لدى العديد من الدول الأكثر سكاناً قيوداً شديدة فإن “ما يقرب من سبعين بالمائة من سكان العالم الـ 6800000000 يعيشون في بلدان تفرض قيوداً شديدة على الدين “(The Pew Forum on Religion & Public Life 2009).

أخيراً، هناك أنماط واضحة جداً للتباين العالمي في الحريات الدينية، ولكن ليس هنالك منطقة أو دين عالمي يخلو من إنكار الحريات الدينية. من الواضح أن بعض المناطق أعلى من غيرها، حيث أن أغلبية البلدان الواقعة في شرق آسيا، الشرق الأدنى وشمال افريقيا، وآسيا الجنوبية والوسطى تقيد الحريات الدينية. ولكن لا تستثنى أي من مناطق العالم من تقييد ممارسة الشعائر الدينية.

إن الحرمان من الحريات الدينية في جميع أنحاء العالم يثير سؤالين مهمين. أولاً، لماذا تحدث الكثير من القيود في العديد من الدول؟ وثانياً، ما هي الصلة بين هذه القيود والنزاعات الاجتماعية؟

مصادر الحريات الدينية والقيود عليها

إن فهم لماذا تحرم الحريات الدينية وكيف يمكن أن تكون القيود ذات صلة بالنزاعات الاجتماعية يتطلب من أن نستكشف الدوافع والمؤسسات والحركات المتورطة في إنكار الحريات الدينية. نريد أن نفهم على وجه الخصوص كيف تختلف كل من الدوافع والآليات اللازمة لتقييد الحريات الدينية عن غيرها من حقوق الإنسان.

خلافاً لمعظم الفئات الحالات الأخرى المذكورة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن الدين يتم تنظيمه ضمن مؤسسات متميزة ويحمل عدداً لا يحصى من العلاقات مع الدولة والثقافة الأوسع. جنباً إلى جنب مع توفير المعتقدات الدينية والرموز والممارسات للمجتمع المحلي، يمكن للمؤسسات الدينية أن تقدّم أيضاً خدمة كونها مصدرا للوحدة على الصعيدين الإقليمي والوطني. في الواقع فإن واحدة من مخاوف الهيئات الحاكمة هي أن باستطاعة المؤسسات الدينية أن توفر الشكل التنظيمي للضغوط السياسية والثقافية الكامنة. إن فهم العلاقات المختلفة بين الدين والدولة هو نقطة انطلاق هامة لفهم كل من الحريات الدينية واحتمال نشوب صراع.

إن واحدة من الأنماط الأكثر شيوعا لعلاقة الدين بالدولة هو أن الدولة تشكل تحالفاً مع الدين أو مجموعة من الأديان السائدة. بالنسبة للدولة، يوفر التحالف استقراراً سياسياً، ودعماً واضحاً للدين والثقافة المهيمنة، وغالباً ما يقدم آلية لمراقبة أنشطة المؤسسات الدينية الأقوى. بالنسبة للمؤسسات الدينية، توفر هذه التحالفات فرصاً لتدبير موارد من الدولة وتقييد أنشطة المنافسين. المنافسون الأكثر وضوحاً هي الديانات الأخرى، ولكن يمكن أن يُنظر إلى المؤسسات الثقافية وحتى الرسمية (على سبيل المثال المحاكم المدنية، المدارس… إلخ) أنها في حالة منافسة مع الدين السائد. يمكن للتحالفات المؤسساتية إضفاء سلطة دينية لمعظم المؤسسات في البلاد، كما هو الحال في المملكة العربية السعودية، أو يمكن أن تقوم على تقاليد الماضي وتقدّم القليل من السلطة الرسمية كما هو الحال في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية. عادة ما تزيد هذه التحالفات الموارد المقدمة لأديان محددة وتحد من احتمال بروز مظالم، ولكن بالنسبة للأديان الأقلية فإن التحالفات تنتج عنها معاملة غير متساوية في أحسن الأحوال، وغالباً ما يؤدي هذا إلى القمع والاضطهاد.

حتى عندما تدعم البلدان دولة علمانية تفصل بين أنشطة المؤسسات الدينية والرسمية (أي التابعة للدولة)، فإن الحريات الدينية الممنوحة تختلف اختلافاً كبيراً وجميع الأديان هي عرضة لتصرفات الدولة. تقوم بعض البلدان العلمانية، وخصوصاً الشيوعية منها، بدعم أيديولوجية علمانية تنظر إلى المؤسسات الدينية كتهديدات محتملة تتطلب تنظيماً ومراقبة حثيثة. تمثل ثورة ماو الثقافية (1966-1979) أو الاتحاد السوفييتي السابق تطرفاً حيث تحاول الدولة أن تقضي على الدين. بينما تشكل بلدان مثل فرنسا وتركيا دولاً علمانية لا تحمل أيديولوجية علمانية مثل الإلحاد في الدول الشيوعية ، ولكنها حازمة في فرض العلمانية العامة.

إذا ما تجاوزنا نطاق المؤسسات الدينية الرسمية فإن الأديان أيضاً تتبنى علاقة ثقافية مشتركة مع مناطق محددة أو مع الأمة بأسرها. يمكن للأديان السائدة أن تتسلح بتاريخ وثقافة بلدهم كدوافع لحرمان الحريات الدينية وحتى تبرير العنف. إن العديد من الهويات القومية والثقافية تتشابك كثيراً مع أو ضد أديان منتقاة لدرجة أنه يُنظر إلى مسألة ضمان الحريات الدينية للجميع على أنها تحدي للهوية الثقافية ككل.

تكون الضغوط الاجتماعية قوية لا سيما على المستوى المحلي حيث تكون الوحدات الإدارية، مثل المكاتب الدينية، عرضة لهذه التأثيرات. بإعطائها قدراً كبيراً من التحفظ حول كيفية تفسير القوانين لتسجيل أو تحديد أو التسامح مع الأديان، فإن تحفظهم هذا غالباً ما يخدم الأغلبية. في روسيا على سبيل المثال، فإن جماعات تم تسجيلها كجماعات دينية غير تقليدية مثل أتباع مذهب الخمسينية والكاثوليك وشهود يهوة شكت بمرارة أن الشرطة تفشل في حمايتهم من أعمال التخريب وأنها بطيئة في الاستجابة عندما يقاطع أو يتطفل الدخلاء على خدمات عبادتهم أو حتى الهجوم عليهم. وعليه فإنه حتى من دون قيود رسمية تفرض على الدين، يمكن للضغوط الثقافية والضوابط غير الرسمية أن تقيد الحريات وتؤجج الصراعات بين الجماعات.

يتطلب حماية الحريات أكثر من مجرد ضمانات دستورية. ما لم تقدّم مؤسسات الدولة السلطة والدعم اللازمين لحماية الحريات فإن وعود الحرية لن تتحقق أبداً.

نهاية الأمر إن الحريات الدينية تعتمد على نفس المؤسسات التي تعتمد عليها حقوق الإنسان الأخرى للحصول على الدعم والحماية، ولكن الأديان غالباً ما تعقد علاقات مميزة مع الدولة والقطاع الأوسع من الثقافة. تتمازج هذه العلاقات أحياناً مع العنف تجاه الدين، العنف من قبل الدين، والعنف الذي يبدو أنه قليل الصلة بالدين. هذه هي العلاقات التي سنستكشفها في القسم الأخير من هذا الاستعراض العالمي.

علاقة الحريات الدينية مع الصراع الاجتماعي

يرتبط الحرمان من الحريات الدينية مع مستويات أعلى من الصراع الاجتماعي. القفزة الحادة تحصل عند الانتقال من الدول التي ليس لديها قيود إلى الدول التي لديها اية قيود على الحريات الدينية، بغض النظر عن القياس المستخدم. تكون العلاقة لافتة بشكل خاص في حالة العنف المتصل بالدين. لم يبلغ عن أي من البلدان التي لديها درجة “متدنية” من القيود الحكومية أنه حصل فيها على نطاق واسع عنف له علاقة بالدين. وفي المقابل فإن 45 بالمائة من البلدان ذات المستوى “العالي” من القيود الحكومية حصل فيها هذا النوع من العنف.

حتى عندما تكون البنود الدستورية واضحة والحريات الدينية مصانة بوضوح، ليست هناك ضمانات بأن الحريات ستكون مصانة. يجب أن تتحمّل الدولة مسؤولية تنفيذ هذه الوعود وأن تكون قادرة ومستعدة للقيام بذلك. غالباً ما ينظر إلى الانتخابات الحرة والنزيهة المترافقة مع المشاركة السياسية باعتبارها الحامية الرئيسية للحقوق المدنية. بالرغم من أنه يمكن فرض إرادة الأغلبية الدينية والثقافية من خلال تشريع عمومي، إلا أن الانتخابات تساعد على حماية حريات الأغلبية. بالنسبة للجماعات الدينية والأفراد فإن للقضاء أهمية خاصة لحماية الحريات لأن القيود الأكثر قساوة عادة ما تُفرض على الأقليات الدينية. أخيراً فإن حماية أية حرية تعتمد على قدرة الحكومة على رصدها، إنفاذها وحمايتها. وبقدر ما تكون الحكومات فعالة في تأمين الحريات الدينية، بقدر ما تنزع الصراعات الاجتماعية إلى الانخفاض.

مع ازدياد القيود الاجتماعية وسعي الحركات الاجتماعية لهيمنة الدين الأوحد، تتزايد بشكل مضطرد أيضاً نسب العنف المتصل بالدين. تقريباً نصف البلدان التي يتواجد بها حركات اجتماعية تسعى لفرض سطوة الدين الأوحد يصدر عنها تقارير تشي بعنف مضطرد له علاقة بالدين.

أخيراً فإن غالباً ما تفضي القيود الرسمية والثقافية المفروضة على الحريات الدينية إلى ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية تفاقم التوتر والتفرقة بين الجماعات الدينية. وعليه فحتى عندما لا يكون الدين الدافع الرئيسي للصراع الاجتماعي فإن إنكار الحريات الدينية أمر يمكن أن يساهم في الظروف التي تؤول إلى للنزاع.

إن إنكار الحريات الدينية غالباً ما يؤدي إلى الزيادة في عزلة الجماعات الدينية والتمييز ضدها، وبشكل خاص ضد الأقليات الدينية (Finke and Harris 2012). حالات العنف المبني على الدين كانت مثبتة في 80 بالمائة من البلدان التي فيها أعلى نسبة تمييز وعزلة على أساس الدين، بينما حصلت فقط في ستة بالمائة من البلدان التي تتميز بالقليل أو لا شيئ من التمييز الديني.

استنتاج

تنفع الحريات الدينية في تثبيط إمكانية حصول العنف، ونقص الحرية له علاقة بازدياد العنف. عندما تتنكر الحكومات للحريات الدينية فإن النتائج الأكثر وضوحاً هي الازدياد في تظلمات الجماعات الدينية الخاضعة للقيود. انما وكما هو مبين في النظرة إلى الحالة العالمية، فإن تبعات مثل تلك الممارسات الرسمية للبلدان تتموج بعيداً عن مجرد التنكر الآني لحرية معينة. إن نقصان حريات مجموعة ما تؤدي إلى استقواء مجموعات أخرى، خاصة من هم من الأغلبية. إن الحركات الاجتماعية والضغوطات الأقل رسمية ذات الطابع الاجتماعي والثقافي غالباً ما تُفَعِّل قيوداً تتخطى كثيراً أفعال الدولة. كما من الممكن أن ينتج عن نقصان الحريات الدينية ظروف اجتماعية واقتصادية وسكانية تساهم في مستويات أعلى من العنف. إن القيود والضغوط الاجتماعية التي تحرم من الحريات الدينية مرتبطة بشكل وثيق مع النزاعات الدينية الأهم والعنف في عالمنا اليوم.