غلوبل بلوس: الدين والسياسة في أمريكا اللاتينية

كتابة يوم

التصنيفات أخبار وإعلانات, غير مصنف

غلوبل بلوس: الدين والسياسة في أمريكا اللاتينية

130313153518-15-bergoglio-pope-0313-story-top

كتابة: فورتوناتوماليماشي

ينظر السيناريو الغربي فيما يتعلقبالدين والسياسة، المستوحاة من عالم السياسة الأمريكي صامويل هنتنغتون، وعلى نحو متزايد، إلى الصراع الدولي على انه صراع حضارات وثقافات بين المسيحية الغربية والإسلام الشرقي.

لم تعد الصراعات الدولية يتم تحليلها ضمن السياقات الاقتصادية والسياسية والجيو-استراتيجية والاجتماعية والثقافية منذ أن تبنت الصحافة و “مراكز أبحاث”، والتي تتمتع بقوة مهيمنة، تحليلا مبنيا على المصطلحات الدينية بشكل شبه حصري.

انس، للحظة، قصور جماعات صغيرة من المتطرفين ممثلة للديانات العالمية والذين فشلوا في الحصول على أتباع كثر في العالم الديني.

لا يمكن لأحد اليوم أن يفكر في الحديث عن الارهاب المسيحي، أو الإرهاب اليهودي، أو الإرهاب الكاثوليكي بالسهولة التي يتحدث بها المعلقون الغربيون عن “الإرهاب الإسلامي”؛ وهناك”مسيحيات” و”كاثوليكيات” و”يهوديات” متنوعة، كما أن هناك أنواع مختلفة من الاسلام.

حتى المفاهيم المتقدمة في العلوم الاجتماعية المعاصرة والتي تقول بأن التقدم العلمي من شأنه أن يؤدي إلى تراجع بطيء للدين من الساحة العامة هي الآن مفاهيم في أزمة.

في الواقع، عندما يتعلق الأمر بالدين والسياسة في أمريكا اللاتينية، أين يتزايد التنوع السياسي والديني، يمكنك الاستغناء عن الكثير من الكتابات الغربية.

هذه ليست قصة من “مسيرة بدون رحمة” نحو العلمانية، أو الانزلاق الى الحروب المقدسة. بل إن نموذج الحداثة الدينية لأمريكا اللاتينية هي رقصة متطورة بين القوى السياسية والاجتماعية والدينية في منطقة تشهد أطول عملية ديمقراطية في تاريخها.

المسألة ليست ما إذا كانت هناك صلة بين السياسة والدين في أمريكا اللاتينية. بدلا من ذلك، نحن نسأل كيف، ومع من، ومن أين تطورت هذه الصلة.

لا يمكن لحركة واحدة أو لشخص، حتى البابا، أن يكون مفهوما بمعزل عن الكل.

تقدم الديمقراطية

بعد عقود من الحكم الاستبدادي العسكري ، تعيش أمريكا اللاتينية اليوم في قارة فيها تصويت شعبي، وتوسع نطاق الحقوق وتوزيع الثروة، وإذكاء وحدة وأمريكا اللاتينية ورفض النزاعات المسلحة بين الدول، وكل هذا من الأهداف المشتركة.

وكانعكاس لهذا التنوع السياسي الجديد، هناك أربعة رؤساء نساء في عام 2014 – “ميشيل باشليه” في تشيلي، “لورا شينشيلا” في كوستاريكا، “كريستينا فرنانديز” في الأرجنتين و”ديلما روسيف” في البرازيل. في نفس الوقت، إتاحة المجال لمجتمع متعدد الثقافات، شخص من نسل السكان الأصليين – إيفو موراليس – يحكم في بوليفيا.

مع الانتقال إلى الديمقراطية ومجتمعات أكثر تعددية، فقدت الكنيسة الكاثوليكية الرسمية الكثير من القوة التي مُنحت لها من قبل العديد من الديكتاتوريات التي كانت لها علاقات وثيقة مع الجماعات الدينية.

ومع ذلك تبقى العديد من الفئات اليهودية المسيحية موجودة، مُعلمنة ولكن دون أن تفقد شعورها بأصلها؛ قادرة على أن تعين، أن تفرق، وأن تحدد أولويات المساحات الرمزية والسياسية والاجتماعية.

يستخدم الرؤساء الديمقراطيون في أمريكا اللاتينية روايات مشبعة بالرموز، علامات وشعائر ورموز مقدسة التي يتردد صداها مع المسيحيين والجماعات الدينية.

التواجد الحالي لبابا من الأرجنتين مع لغة وإيماءات واسعة نشأت في سياسة أمريكا اللاتينية قد أحيى الفكرة القديمة لثقافة أمريكية لاتينية كاثوليكية منفصلة عن الثقافة الأمريكية الأنجلوسكسونية البروتستانتية البيضاء. يساعد هذا في زيادة التعريف الذاتي الكاثوليكي حتى في أكثر الدول علمانية مثل الأوروغواي أو متعددة الثقافات كما هو الحال في بوليفيا أو بلد شيوعي مثل كوبا.

ومع ذلك، فإن التحول إلى التعددية الدينية قد تم بالفعل.

لم يعد هناك احتكار كاثوليكي، ولكن لا يزال هناك هيمنة كاثوليكية بثقافتها المنتشرة وكذا تدين شعبي منتشر في المجتمع. إنه تغيير لا يمكن نسيانه في أي تفسير لأمريكا اللاتينية.

المنافسة غيرت الحقل الديني في أمريكا اللاتينية

لم تكن السياسة، ولا أي تحول إقليمي هائل نحو فرض العلمنة، الأكثر مسؤولية عن إحساس الكنيسة الكاثوليكية بالاضطرار إلى التنافس على النفوذ الاجتماعي.

كان هذا بفعل منتجات ثانوية أخرى للديمقراطية في مجالات مثل الحرية الدينية والنوع الاجتماعي والجنس والمواطنة والتنوع والاتصال والقيادة.

لا يؤمن الرجال والنساء اليوم (أو يشكون) أكثر أو أقل مما كانوا عليه قبل 100 أو 50 سنة. إنهم يعتقدون (ويشكون) بطريقة مختلفة. الشيء الذي يجعل الفترة الحالية مختلفة هو مدى ما اكتسبت كل هذه الظواهر من قدر أكبر من الوضوح العام وأشكال مؤسسية مختلفة.

لم يأت التحدي الرئيسي للاحتكار الكاثوليكي من المجتمع السياسي أو من الماديين أو الملاحدة، ولكن أتى من المجموعات الدينية الأخرى النشطة والمتنامية. على وجه الخصوص، تحصلت الجماعات الخمسينية على مكاسب سريعة ومثيرة في جميع أنحاء القارة التي لم تشهد أي خسارة في التدين.

وفقا لدراسة مركز “بيو” للأبحاث، أكثر من أربعة من كل خمسة بالغين أمريكا اللاتينية قالوا أنهم أنشئوا تنشئة كاثوليكية، ولكن فقط حوالي سبعة من عشرة قالوا أنهم كاثوليك ليوم. في المقابل، 9 في المئة من البالغين في أمريكا اللاتينية قالوا أنهم أنشئوا تنشئة بروتستانتية، ولكن 19 في المئة يقولون انهم بروتستانت اليوم.

الظهور الحالي لمعتقدات جديدة في أمريكا اللاتينية والتحول من الهويات والانتماءات سمح لنا أن نتحدث عن “سوق نشطة للسلع رمزية” الذي انهت الاحتكار الكاثوليكي القديم. لم يعد البناء الرمزي للهوية الكاثوليكية مع الهويات الوطنية وكذا الهوية الأمريكية اللاتينية صالحا الآن.

هذا هو عالم الإنجيليين اليوم في تعبيراته المتعددة وخصوصا المذهب الخمسيني، الإنجيلي أساسا ولكن الكاثوليكي أيضا، الذي يزداد اتساعا، وتنوعا وتوسعا في جميع أنحاء القارة.

في نفس الوقت، سنوات متواصلة من الديمقراطية، مع عدم إغفال أن هذه هي أطول فترة من الحقوق الديمقراطية في الأرجنتين، أنتجت السعي للحصول على الجنسية الدينية حيث يعتبر كل شخص له حقوق متساوية وبالتالي يريد أن يتم التعامل مع معتقده الديني بطريقة متساوية مع المعتقد الرسمي أو معتقد الأغلبية.

إلا أنه لا يتم الفصل بين الكنيسة والدولة بسهولة في أمريكا اللاتينية.

فصل دقيق

قارة ملتزمة بالديمقراطية وتحترم المعتقدات الدينية على حد سواء، هي قارة تنسج تاريخها وثقافتها والحياة اليومية للعديد من مواطنيها ستجد طريقها في ترسيم الحدود بين الكنيسة والدولة.

وتشمل هذه المهام حماية حرية الضمير، والحد من التمييز، وتعزيز المساواة والقضاء على محسوبية الحكومة لصالح أي مجموعة دينية.

وأصبحت الأرجنتين الكاثوليكية بشكل كبير في عام 2010 أول دولة في أمريكا اللاتينية توافق على الزواج من نفس الجنس، كهزيمة اجتماعية واضحة للمؤسسة الكاثوليكية بقيادة آنذاك “الكاردينال خوسيه بورغوليو” (الآن البابا فرانسيس)، والتي كانت قوية ومتجانسة في معارضتها لهذه الحقوق .

ومع ذلك فقد تم اقتراح القانون كامتداد للحقوق الديمقراطية، وليس كفعل ضد الكنيسة الكاثوليكية.

لا تزال الكاثوليكية تمارس التأثير المعنوي القوي على قضايا أخرى في السياسة العامة في الأرجنتين، وهو واضح في قضية استمرار الحظر على الإجهاض، والوضع القانوني التفضيلي للكاثوليكية في الدستور، حيث أنه على جميع الفئات غير الكاثوليكية أن تقوم بالتسجيل لدى الحكومة.

ومن المهم أيضا التمييز بين الفصل الدستوري بين الدولة والجماعات الدينية عن المفاوضات والعلاقات المتعددة بين الجماعات السياسية والدينية.

ليس هناك احتكار للدولة ولكن، بدلا من ذلك، هناك وضع للسياسات العامة مثل الصحة والإسكان والتعليم والثقافة، وهذا بالتعاون الوثيق مع الجماعات الدينية، وهي (الدولة) التي تقدم التمويل لهذه الأنشطة. وهذا ليس فقط لأغراض عملية، بل تحركها معتقدات الجهات الحكومية نفسها والمجتمع المدني.

ويجري حاليا إعادة تشكيل تلك الشراكات مع تشكل مجموعات دينية جديدة مثل المذهب الخمسيني الذي اكتسب مزيدا من الأتباع.

التعددية لم تعن المزيد من الفصل بين الدولة والجماعات الدينية، ولكن، بدلا من ذلك، هناك إعادة توزيع الامتيازات الكاثوليكية على منافسين جدد في المجال الديني.

هناك فرق كبير آخر: كثير من الأفراد المتدينين يبتعدون عن الدين المنظم. فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة استقصائية وطنية أجريت سنة 2008، أن 11 من 12 أرجنتيني لديهم إيمان قوي في يسوع المسيح، ولكن 7٪ فقط منهم يعتقدون أن آراء الأساقفة والقساوسة ينبغي أن تسود في سياسات وسائل منع الحمل.

لا تعني العلمنة اختفاء أو خصخصة المعتقدات الدينية بل بالأحرى إعادة ترتيبها المتواصل.

التطلع إلى المستقبل

نحن نعيش في القرن 21 مع وجود جديد للدين والقيم الروحية في الأماكن العامة؛ يسميه البعض عهد ما بعد العلمنة. عندما نتحدث عن العلمانية في أمريكا اللاتينية، فنحن نناقش التعددية، نزع الوصف المؤسسي، إزاحة سيطرة رجال الدين، وإعادة هيكلة المعتقدات ونقل الفئات واللغات من العالم الديني إلى العالم الاجتماعي السياسي.

في وطننا، كما هو الحال في معظم بلدان أميركا اللاتينية، ما كان ومازال مهيمنا الآن هو ما يمكن أن نشير إليه بالعلمانية الفرعية.

تسعى الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية إلى وضع “سياسات للجماعات الدينية وتسعى الجماعات الدينية أن تضع “رسائل اجتماعية ودينية “للدولة والمجتمع السياسي والمجتمع المدني.

نحن لا نسعى اليوم لعزل الدين عن السلطة السياسية. بدلا من ذلك، الجهود اليوم منصبة على كيفية الاستفادة من- أيضا إلحاق – سلطة دينية أو الكنيسة لتعزيز الخطاب السياسي. أمريكا اللاتينية هي مثال عن كيفية التعامل مع المظاهر العامة للانتماءات الدينية وكيف تتفاعل في مجتمع تعددي، دولة توسع الحقوق مع العلمانية في فصل دقيق بينهما. هناك ابتكار مستمر في الشكل والتعبير عن كل ما يُعتبر دينا. دورات متكررة من التغيير تجلب أشكالا تنظيمية جديدة على الساحة، وتجلب أجيالا جديدة من القادة.

ماذا سيكون تأثير البابا الذي هو من أمريكا اللاتينية و صاحب شعبية كبيرة كما هو حال البابا فرانسيس على هذه التغييرات؟

من الصعب جدا المخاطرة بالتنبؤ عن شيء حيوي وعميق جدا ومعقد مثل التوقعات الدينية على المدى الطويل. قبل عقدين من الزمن، كانت هناك مناقشات بأن أمريكا اللاتينية على وشك أن تصبح بروتستانتية، ولكننا بعيدون كل البعد عن ذلك اليوم. انها مجرد مخاطرة أن نعتبر أنه سيكون للبابا تأثيرات على الهويات عالميا جنبا إلى جنب مع تأثيره على التشكيلات الدينية في هذا الجزء من العالم.

نحن نعيش إعادة بناء ديني وأخلاقي عميق للمعطى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي التي لم يتم تحويلها من طرف شخص كاريزمي واحد، ولا من قبل قوى وسائل الإعلام، ولكن من خلال جهد واسع النطاق لتحويل الهياكل والناس.

مع ذلك، فإن البابا هو حليف قوي للسياسيين في أمريكا اللاتينية، وعلى الأخص البابا الذي يحظى بشعبية كبيرة بين النساء والرجال العاديين.

ما نعرف أنه يجب أن يفهم بشكل صحيح، هو أن العلاقة بين الدين والسياسة في أمريكا اللاتينية لابد من النظر إليها في سياق السرد الاجتماعي والسياسي التي هيمن على تاريخنا الوطني.

وكما كنا ندعوا لسنوات، الحداثة أمريكا اللاتينية ليست حداثة أوروبا أو الولايات المتحدة، بل لدينا حداثة تعكس تجربتنا.

* علم الاجتماع “فورتوناتوماليماشي”من جامعة “بوينس آيرس”، وهو مرجع رائد في الدين والسياسة في أمريكا اللاتينية. وهو أيضا منسق برنامج المجتمع والثقافة والدين للمجلس الوطني للبحوث العلمية والتقنية، وكان مديرا لمسح المعتقدات والاتجاهات الدينية في الأرجنتين لسنة 2008.

الموارد:

الملامح الوطنية لأردا: عرض المعلومات الدينية والديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية لجميع دول أمريكا اللاتينية التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 2 مليون نسمة. علامات التبويب الخاصة لكل بلد يسمح أيضا للمستخدمين لقياس الحرية الدينية في البلد المختار وقراءة أجزاء رئيسية من الدستور والمتعلقة بالدين.

أردا لمقارنة الأمم: مقارنة معلومات مفصلة عن الدين، بما في ذلك الحرية الدينية و المواقف الاجتماعية ، لعدد يصل إلى ثماني دول في المرة الواحدة.

أول دراسة حول المعتقدات والاتجاهات الدينية في الأرجنتين: وتقيس هذه الدراسة الوطنية مجموعة واسعة من المعتقدات والممارسات، وغيرها من المتغيرات مثل المواقف الاجتماعية والسياسية.

الدين في أمريكا اللاتينية: مركز “بيو” للأبحاث: يدرس استطلاع مركز “بيو” للأبحاث الانتماءات الدينية والمعتقدات والممارسات في 18 بلدا ومقاطعة واحدة من أمريكا (بورتو ريكو) في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

الرابطة الدينية لعلماء الاجتماع في “ميركوسور”. رابطة علماء الدين في أمريكا اللاتينية تساهم في الدراسات العلمية للدين في المنطقة من خلال المؤتمرات والمطبوعات

.