غلوبل بلوس: الدين في الصين

كتابة يوم

التصنيفات أخبار وإعلانات, غير مصنف

غلوبل بلوس: الدين في الصين

المعجزة الصينية الأخرى: صحوة كبيرة حولت نمو المسيحية العالمية إلى الشرق

الصلاة أمام صليب من الشموع في الصين
الصلاة أمام صليب من الشموع في الصين

ادعى الحكام الرومان القدماء الألوهية لأنفسهم، وقاموا بتعذيب وسجن أو قتل قادة الجماعة الدينية الناشئة واعتبروهم تهديدا لإمبراطوريتهم.

لكن الجماعة نمت على الرغم من الاضطهاد. وبعد مرسوم ميلانو حوالي سنة 313، والممضي من قبل قسطنطين الأول، والذي يشجع التسامح ، كانت هناك جذور للمسيحية لتصبح أكبر دين في العالم.

بعد سبعة عشر قرنا، تحولٌ مماثل حدث في الامبراطورية حيث حاول حاكم قوي طرد الدين، ولكنه فشل.

اليوم، تجد الصين نفسها في خضم إحياء ديني يعيد تشكيل المشهد الديني العالمي بطرق عميقة في الألفية الثالثة من العصر المسيحي.

قد طغى النمو الديني السريع والموثق للمسيحية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية بشكل كبير على التحول الروحي في “الشرق العالمي.”

ولكن فكِّر للحظة، ماذا حدث في أكبر بلاد من حيث عدد السكان في العالم، والتي منذ 45 سنة فقط  حاولت القضاء على كل أثر للدين من على وجه الأرض.

  • في الفترة من عام 1950 إلى 2010، ازداد عدد المسيحيين في الصين من 4٬000٬000 إلى 67٬000٬000. • و بحلول عام 2030 من المتوقع أن يصل عدد مسيحي بروتستانتي وحدهم فقط إلى نحو 225 مليون في الصين، وهو رقم مماثل لمجمل عدد السكان المسيحيين اليوم في الولايات المتحدة.
  • تشير تجربة المسيحيين الصينيين في كوريا الجنوبية والولايات المتحدة إلى أنه من المعقول أن نتوقع أن يستمر النمو على الأقل حتى يصل عددهم إلى 30 في المئة من عدد السكان والذي من المقدر أن يصل إلى 1.4 مليار في السنوات ال 15 المقبلة.

خلافا للتوقعات التي مفادها أنه سيأتي وقت من هذا القرن يصبح الإسلام فيه أكبر ديانة في العالم في تحدِّ للنظريات الغربية للنمو الاقتصادي المؤدية إلى تقادم الإيمان، دخلت الصين في صحوة كبيرة جعلت ما كان اُعتقد ذات مرة أنها الدولة الأكثر علمانية في الأرض إلى دولة قائدة في مجال التوسع المسيحي في القرن ال21.

قد تجد كل هذا مثيرا للدهشة. في وقت ما، لم أكن لأتصور ذلك.

الإيمان الذي لن يموت

لم تكن هناك معابد أو كنائس في قريتي أو المناطق المحيطة بها في السهول الكبرى من مقاطعة “هيبي” أين ترعرعت.

“الله ميت. الدين قد ذهب “. هذا ما كان يُدرس في مدارس الصين في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وكان يبدو هذا صحيحا بالنسبة لصبي قروي قضى الكثير من أيام المدرسة يتعلم الزراعة البدائية أو يجري “التدريب العسكري” باستعمال رمح خشبي.

 من الريف إلى المدن الصينية، أُغلقت جميع المعابد والمساجد والكنائس في الفترة ما بين 1966 و 1979. تم تحطيم والتحف الدينية و هُدمت المباني الدينية أو تم تحويلها لاستخدامات أُخرى، واُضطُرَّ رجال الدين إلى العودة إلى الحياة العلمانية.

وسُمح بمعبُود واحد فقط : الزعيم الشيوعي “ماو تسي تونغ”

وكانت تماثيل وصور “ماو” في كل مكان، وكذلك الطقوس العامة وإجلالها. كنا نبدأ اليوم الدراسي وقوفا أمام صورة “ماو” على الجدار، مُردِّدين ومُنشدين “الرئيس ماو، يعيش 10000 سنوات” أو “الرئيس ماو، يعيش إلى الأبد”)

في فترة الإصلاح التي تلت ذلك، ظل الإلحاد السياسة الرسمية للدولة، ولكن تخلت الدولة عن جهودها للقضاء على الدين بأي وسيلة واكتفت بالحد من حرية العبادة العامة وأباحت الانتماء إلى الجماعات الدينية غير المعترف بها رسميا.

غير أن العديد من المصلين كانوا كبارًا في السن أو أفرادًا ينتمون إلى أقليات عرقية. لم تأت اللحظة الفاصلة في الصحوة الصينية العظيمة إلا بعد الحركة الديمقراطية لسنة 1989 ومذبحة يونيو الرابعة.

ثم تم فتح الباب على مصراعيه أمام الدين، ولتلبية موجة من الطلب المكبوت على التعبير الروحي خارج إطار الدولة.

وجد مسح للحياة الروحية الصينية لعام 2007 أن 85 في المائة من السكان كان لهم شكل من أشكال العقيدة والممارسات الدينية، وكذا العديد ممن يمارسون ممارسة بعض أشكال الدين الشعبي.

وتم تحديد نحو 18 في المائة بصفتهم بوذيين.

ولكن النمو الأبرز كان بين المسيحيين. ليس من السهل الحصول على الأرقام، لأن العضوية الدينية، إلى غاية اليوم،  يأتي على حساب الفرص الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. بالنسبة لأولئك الذين يعبدون خارج الكنائس الرسمية، مثل الكاثوليك الذين يختارون الكنيسة الكاثوليكية الدولية على حساب الجمعية الكاثوليكية الوطنية الصينية، قد تكون العقوبات أسوأ من ذلك بكثير.

مع ذلك، فإن البحوث تُؤكد أن التقديرات تظهر أن المسيحيين شهدوا  نموا سنويا بأكثر من 10 في المائة منذ عام 1980، والآن يشكلون ما بين 5 في المائة إلى 10 في المائة من السكان. إن هذه العتبة هي عتبة حرجة لإمبراطورية مترامية الأطراف وذات تنوع إقليمي وثقافي واسع.

للعودة إلى الإمبراطورية الرومانية، عندما بلغ عدد السكان المسيحيين تلك الأرقام الكبيرة أدى هذا بالمسئولين إلى بدأ حملة “الاضطهاد العظمى” في القرن الرابع، إلا أن تغيير المسار جاء بعد عقد من الزمن تزامنا مع مرسوم ميلانو.

إنه من الصعب جدا، في إمبراطورية، تنفيذ أي سياسة بدءا من القمة. وكما هو الحال في روما القديمة، فإن أي جهد لوقف نمو المسيحية في الصين في هذه المرحلة مصيره الفشل. إنه أمر أصبح خارج سيطرة الحكومة بالفعل.

في الصين، التحول إلى المسيحية أمر لا يمكن وقفه.

بذور في أرض خصبة

مراسيم الالتحاق بكنيسة في بكين
مراسيم الالتحاق بكنيسة في بكين

من المسيحيين الصينيين المعاصرين الذين دفعوا ثمنا باهظا السيد “نيو”، وهو قسيس وعالم بالعهد الجديد في الخمسينات حتى أنه تم سجنه بسبب إيمانه. تعرفتُ عليه لأول مرة باعتباره عاملاً متقاعدًا في مصنع جاء إلى جامعة “نانكاي” في الثمانينات ليعلمنا اللغة اليونانية كمتطوع. قال لنا أنه حين كان في السجن وفي حقل العمل، أصبح “رجلا اشتراكيا جديدا” وملحد صادقا وعاملا سعيدًا في المصنع.

ومع ذلك، أثبت إيمانه أيضا أنه لا يمكن وقفه. فقط بضع سنوات بعد ذلك، انتقل السيد “نيو” إلى بكين للتدريس في “يانجينغ” المسيحي اللاهوتي بعد إعادة فتحه. في أواخر عام 1988، قمت بزيارة له في المدرسة. أثناء ذلك الوقت، كنت قد أصبحت عضوا في هيئة التدريس في الدراسات الدينية في بكين، وكان السيد “نيو” قد استرجع تماما إيمانه بالمسيح، كما استعاد كل صوت أصيل ومغناطيسي كنت قد عرفت عند هذا الرجل.

يمثل السيد “نيو” العديد من المسيحيين الصينيين القادرين على التعبير بصراحة عن دينهم في الصين الجديدة. اتساع الفضاء الاجتماعي وسياسات الدولة الأكثر انفتاحا وعوامل أخرى مثل العولمة والتعرض لأفكار جديدة ومنظومة معاني جديدة هي أيضا جزء هام من عملية جذب مؤمنين جُدد.

بالنسبة لكثير من الصينيين، ترتبط المسيحية بالمجتمع الحديث والقيم الحديثة مثل الحرية والديمقراطية.

هناك أمر بالغ الأهمية أيضا للنمو المسيحي وهو السياق الاجتماعي للصين الحديثة.

هناك شذوذ اجتماعي واسع النطاق في الصين، والشعور بالغربة والاضطرابات الشخصية والاجتماعية في خضم البحث عن نظام متماسك من المعاني التي تم توفيرها ذات مرة من قبل الشيوعية. التحضر، والحركة الواسعة لسكان الريف تُجاه المدن قد فاقم هذا الشعور بفقدان مراجع كانوا قد وجدوها مرة في الأبواب المفتوحة والمعايير المجتمعية لحياة القرية. وراء أبواب الشقق المُغلقة في المباني الشاهقة المجهولة، بدأ الناس في البحث عن أشكال جديدة من المجتمعات والدعم الاجتماعي، والبحث عن مجموعة من القيم التي من شأنها دعم حياة أسرية قوية وسط ارتفاع معدلات الطلاق.

البوذية، مع التركيز على الفرد وعدم وجود تقاليد تقديم الخدمات الاجتماعية وفرص الزمالة، ليست ديانة مناسبة تماما لتلبية تلك الاحتياجات.

ومع ذلك، فإن الجماعة المسيحية، مع عروض واسعة النطاق لتلبية كل الاحتياجات الدينية والاجتماعية للأعضاء، هي في وضع فريد لجذب الجيل الحالي من الصينيين. ما شاهدته في الكنائس في جميع أنحاء الصين هي تجمعات كهنوتية رئيسية جديدة في مجالات مثل تقديم المشورة قبل وبعد الزواج.

في العديد من الجهات، أصبح الاحتفال بعيد الميلاد مهرجان مجتمع، مع الأحداث التي ترعاها الكنيسة والتي تجذب الناس من جميع الأحياء المحيطة بها.

في حين بدأ البحث في قياس أثر المسيحية في الصين، فإن تقارير من الميدان تتسق مع نتائج مئات الدراسات الغربية التي مفادها أن التدين بشكل عام له صلة بصحة نفسية وجسدية أفضل، وله صلة أيضا بتحقيق نتائج إيجابية في مجالات عديدة بدءا من هياكل أسرية أقوى إلى انخفاض احتمالات السلوك المنحرف لدى الشباب.

ومن المتوقع أن يستفيد المسيحيون من سياسة الطفلين جديدة في الصين ما دام أن الأفراد الذين ليس لديهم دين أو البوذيين بشكل عام لديهم انخفاض في معدلات الخصوبة.

في الدول الغربية مثل الولايات المتحدة، فإن العديد من علماء الاجتماع يميلون إلى عرض النمو الديني من منظور العرض الاقتصادي، حيث يجب على الجماعات الدينية الفوز بقادمين جدد من الآخرين من خلال تقديم خدمات أفضل في سوق تنافسية ناضجة. إلا أن في الصين، أين كان الطلب على المعروض الديني – الذي ظل منخفضا بشكل مصطنع لعقود كثيرة – لا يظهر أي علامات على التراجع.

في بلد حيث يمكن تصنيف نحو 900 مليون شخص على أنهم غير منتسبين دينيا، قد يكون الطلب  على وشك الانفجار.

التطلع إلى المستقبل

البعثة المسيحية 2030 - هونكونك
البعثة المسيحية 2030 – هونكونك

جاء في عنوان بيان صحفي ما يلي: ” من المتوقع أن يساوي، تقريبا، عدد المسلمين في جميع أنحاء العالم عدد المسيحيين بحلول عام 2050.” وأفاد تقرير مركز “بيو” للأبحاث، وهو تقرير ممتاز عموما، بوجود توقعات دينية عالمية أن عدد المسلمين قد يتعادل مع عدد المسيحيين بحلول عام 2070 وقد يفوقهم قليلا بحلول نهاية القرن. وتوقع التقرير أيضا أن المسيحية ستشهد خسارة 66 مليون شخص من بين الناس الذين يبدلون دينهم.

كما توقع التقرير أيضا أن نسبة المسيحيين في الصين لن تتغير بما يزيد قليلا على 5 في المائة حتى عام 2050. وهذا الافتراض، ببساطة، لا يمكن الدفاع عنه في ضوء ما نعرفه الآن.

من الصعب التنبؤ بعيدا جدا في المستقبل. ولكن حسب العوامل الاجتماعية الآن، والطلب المتزايد على الدين الذي قد يستمر عقودا طويلة لاستنزاف العرض المتاح، يمكن التنبؤ بزيادة نمو سنوي قدره 10 في المائة خلال العقد القادم أو العقدين القادمين.

حسب هذه المعدلات، فإن عدد المسيحيين البروتستانت وحده سيصل إلى 418 مليون، أو 30 في المائة من مجموع السكان بحلول عام 2030. حتى لو تم تحجيم توقعات النمو إلى 7 في المائة، فإن عدد السكان المسيحيين البروتستانت سيقترب من 450 مليون بحلول عام 2040. إذا أضفنا الكاثوليك،  ستتسارع توقعات النمو.

والدي كان عضوا قويا في الحزب الشيوعي مدى حياته، وقد تم تعميده، مثل قسطنطين، على فراش الموت.

خلال فصل شتاء بارد قبل عدة سنوات، كان يركب دراجة هوائية لعبور النهر على الجليد. فجأة تصدع الجليد أمامه وانزلق تحت صفحة الجليد السميك. فرأى شخصا عليه ثوب أبيض يرشده إلى ثقب في الجليد حتى يتمكن من الخروج من خلاله والرجوع إلى المنزل. هل كان ذلك الشخص  “قانفين بوديساتفا” أو اليسوع؟ لم يفكر في ذلك حتى سنوات عديدة بعد تقاعده، حيث أنه قرر أن الذي أنقذه هو اليسوع، وهذا ما أدى إلى معموديته في نهاية المطاف.

* ترعرع “فنغانغ يانغ” في الصين، ودرَّس الدراسات الدينية في قسم الفلسفة، جامعة “رنمين” الصينية في بكين. يعمل حاليا كأستاذ لعلم الاجتماع والمدير المؤسس لمركز الدين والمجتمع الصيني في جامعة “بيردو”، “وست لافاييت” بولاية “انديانا”. وهو أيضا رئيس تحرير ومؤسس “مجلة الدين والمجتمع الصيني” والرئيس (2014-2015) لجمعية الدراسة العلمية للدين.

:مصادر

الملامح الوطنية لموقع “آردا”: عرض للمعلومات الدينية والديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية لجميع الدول التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 2 مليون نسمة. علامات التبويب الخاصة بكل بلد تسمح أيضا للمستخدمين بقياس الحرية الدينية في الأمة المختارة وقراءة أجزاء رئيسية متعلقة بالدين في الدستور. .

أردا لمقارنة الأمم: مقارنة معلومات مفصلة عن الدين، بما في ذلك الحرية الدينية و المواقف الاجتماعية ، لعدد يصل إلى ثماني دول في المرة الواحد

مركز الدين والمجتمع الصيني: من خلال النشرة الإخبارية والمشاريع البحثية والتبادلات العلمية، يهدف المركز إلى تعميق فهم الديانات الصينية.

دراسة الحياة الروحية للمواطنين الصينيين: مثال عن عينة عشوائية من المواطنين الصينيين يُقيِّمون حياتهم الدينية والروحية.

مجلة الدين والمجتمع الصيني: نشر مقالات ومراجعات لكتب دولية. “الدين” مفهوم في أوسع معانيه، بما في ذلك مختلف النظم الروحية والمعتقدات والممارسات.