غلوبل بلوس: الدين والموت

كتابة يوم

التصنيفات أخبار وإعلانات, غير مصنف, مقالاتالوسوم , , , , , , , ,

صورة لمصلين يستعمون إلى خطبة الجمعة
صورة لمصلين يستعمون إلى خطبة الجمعة

في هذا الجمعة من آخر فصل الصيف، كانت الشمس المحرقة تُرسل أشعتها على شارع الشهداء، شارع خال من المارة، وهو شارع يسكنه أناس من الطبقة العاملة.

كان محل البيتزا ذي الأبواب البرتقالية مُوصد الأبواب رغم اكتظاظه خلال الأيام الأخرى من الأسبوع. في الحقيقة، كل المحلات مغلقة في هذا الجوار القريب جدا من مركز الجزائر العاصمة.

بعد أذان الجمعة الثاني، أخذ الرجال والنساء أماكنهم في مسجد الحي، مسجد الإمام البشير الإبراهيمي ذي الطوابق الأربعة. كانت نسمة منعشة تهب من ضفاف البحر الأبيض المتوسط قبالة المسجد المكتظ بمصلين من الطبقة العاملة.

رشيد، 45 سنة، مسلم ملتزم، وهو يُحس أنه محميُّ داخل المسجد أثناء صلوات الجمعة.

“كلما أكون على علاقة جيدة بالله فإنني لا أحس بالخوف من الموت. يحدث أن أتمنى أن أموت أثناء الصلاة حتى أذهب إلى الله بأقل الذنوب” يقول رشيد، مُضيفا:” ولكنني عندما لا أقوم بواجباتي الدينية فإن الخوف من الموت ينتابني مرة أخرى بل وبشكل أشد”.

رشيد ليس وحيدا في هذا الشأن.

في جميع انحاء المعمورة، ملايير البشر سيذهبون آخر الأسبوع هذا إلى المساجد والكنائس وأماكن عبادة أخرى ليستمعوا إلى من يقول لهم أن الخيارات السلوكية التي يقومون بها في هذه الحياة الدنيا فإنها ستُحدد مصائرهم في الحياة بعد الموت.

انتهت بحوث جديدة إلى نتيجة مفادها أن الطريقة التي يتعامل بها الناس في إجابتهم عن سؤال معنى الحياة في مواجهة الموت يؤثر تأثيرا كبيرا على مناحي عديدة من حياتهم بدءا من الصحة العقلية وانتهاء بالوقاية من الارهاب والعيش في مجتمعات مليئة بالرحمة وبعيدة عن العنف الاجتماعي

الدين يجيب عن الأسئلة الكبرى في الحياة، بما في ذلك الموت
الدين يجيب عن الأسئلة الكبرى في الحياة، بما في ذلك الموت

.

وقد يؤثر الدين في الراحة النفسية والاطمئنان والرغبة في مساعدة الآخرين لدى الأشخاص الذين يؤمنون بأنهم في عناية إله مُحب. في حين أن الذين يتصورون أن الله بعيد وأنه يسارع إلى محاكمتهم قد يعانون من رهاب الموت باستمرار، الشيء الذي قد يؤدي إلى انتشار عدم الثقة وعدم التسامح عندهم.

قد تُشكل مواجهة الموت واحتمال الخلود في النعيم أو العذاب صراعا مدى الحياة بالنسبة لأشخاص متدينين.

جواب الايمان

إن الخوف من الموت أمر بشري. يبقى أنَّ تحول هذا الخوف إلى رهاب مرضي أو بقائه مجرد خوف عادي هو أمر له علاقة بعدة عوامل بما في ذلك التربية والثقافة والاستعدادات السيكولوجية.

تقريبا كل الأديان الكبيرة تقدم تصورا عن وجود حياة بعد الموت من عدم وجودها.

بصفة عامة، تُؤكد الديانات بأن المرء الذي يعيش حياة إيمانية مليئة بالحب والرفق تجاه الآخرين فإنه يأمل أن يعيش حياة سعيدة وخالدة.

في حين أن كل من عاش حياة أنانية وبعيدة عن الله ومُتجاهلا الله فإنه سيواجه عقابا عظيما في الحياة الأخرى.

بالنسبة لحوالي 4 مليار تابع لأكبر ديانتين، المسيحية والاسلام، فإن هذا هو الفرق بين الجنة والنار.

في نفس السياق وبطريقة مماثلة نوعا ما، فإن تعاليم الهندوسية والبوذية تنص على مبدأ التناسخ بعد الموت، حيث تأخذ الروح بعد الموت شكلا جديدا من الحياة. عموما، فإن شكل الحياة الجديدة تكون نتيجة لأفعال العبد في حياته الأولى.

ولكن ما هي نسبة الايمان بالجنة والنار بين الناس عموما؟

في بلدان علمانية مثل السويد، لا يتجاوز عدد المؤمنين بالجحيم نسبة 15 بالمائة من السكان. ولكن الأمر مختلف تماما في بلدان ذات الأغلبية المؤمنة.

توصل استبيان تم القيام به في الدول الاسلامية إلى أنه أقل من 4 في المائة ن المُستجوبين صرحوا أنهم لا يؤمنون بنار جهنم أو الجنة. في بلد كالجزائر، 99،8 من الراشدين يؤمنون بالجنة في حين أن 99،6 منهم يؤمنون بالنار. أما في الهند، فإن 91 بالمائة يؤمنون بتناسخ الأرواح. في نيجيريا، 99 بالمائة من الراشدين يؤمنون بالجنة و93 بالمائة يؤمنون بالنار.

وحسب “بن حاج”، مختص في علم النفس في جامعة الجزائر، فإنه يمكن للوعد بحياة أفضل أن يقدم إحساسا بالأمل والأمن في مواجهة الموت. ولكن تبقى هناك شكوك طالما أن الحكم الأخير يرجع إلى الله.

حسب نفس المختص فإن هناك إحساسان متناقضان يعتركان داخل الشخص المُتدين: إحساس بالخوف على أساس أن الموت شيء غير معروف الكنه ولم يتم تجريبه، وإحساس بالطمأنينة على أساس أن الموت بالنسبة للمؤمن هو نقلة إلى حياة أفضل

مسجد الامام البشير الابراهيمي بالعاصمة الجزائرية
مسجد الامام البشير الابراهيمي بالعاصمة الجزائرية

.عندما يكون الأمر يتعلق بالخلود، الالتزام بالصلوات الخمس منذ السن الرابعة عشر لم تُهدئ مخاوف شخص مثل “رضوان”، 45 سنة، مختص إعلامي، تلك المخاوف المتعلقة بالموت.

في هذا الاطار، يوقل رضوان: “كلما صليت الصلوات الخمس بانتظام، ومالم أقترف المحرمات في حياتي اليومية، أحس بالراحة تُجاه حقيقة أنني سأموت يوما ما”

ويضيف نفس المختص الاعلامي: “في بعض الأحيان، عندما أكون مريضا أو أعيش خطر الموت مثل ما كان عليه حالي خلال العشرية السوداء عندما كانت الجزائر تمر بحرب شبه أهلية، عادة ما ينتابني شعور الخوف كلما تذكرت أنني لم أصلِّ الصلاة الأخيرة أو كلما دخلت في علاقة غير شرعية مع بنت. سرعان ما أحس بحاجة إلى أن أتوب قبل حضور الموت، وهنا يصبح الموت شيء مخيف فعلا.”

لماذا قلق الموت مهم؟

لماذا يُساعد الايمان بعض الناس ليصبحوا محبين ورحماء ومُطمئنين، في حين يصبح البعض الآخر قلقين وغير متسامحين وخائفين؟

تقدم الأبحاث عن قلق الموت بعض الأسئلة التي تتجاوز القياسات العامة كالانتماء الديني والالتزام بالشعائر التعبدية، وهذا من أجل الوصول إلى الأسباب الدفينة وراء اتباع المؤمنين مختلف الاتجاهات عبر العالم.

حاول أن تتأمل هذه النتائج في المجالات الرئيسية التالية:

الصحة: قد لا يكون الايمان بالله مهم في التقليل من قلق الموت أهمية صورة الله عند هؤلاء المؤمنين وعلاقتهم به.

الشيء الذي قد يساعد في التعامل مع الشك فيما يتعلق بالمصير في الآخرة هو الايمان بإله رحيم.

وتوصلت إحدى الدراسات التي وجدت أن الشعور بمغفرة الله له علاقة بالتقليل من قلق الموت وأن الشعور بمغفرة الله شيء مهم في تجاوز متاهة التطبيق الكامل لتعاليم الدين والفشل المتكرر في القيام بذلك.

ومهم جدا أن يكون المؤمنين صادقين في إيمانهم وأن لا يكونوا مجرد متباهين بعبادتهم من أجل القبول والتقدم الاجتماعيين.

وفي دراسة أُنجزت على 394 طالب في جامعة الأزهر في قطاع غزة، تبين أنه كلما كان الالتزام الديني عاليا كلما نقصت درجات قلق الموت عند هؤلاء الملتزمين. يمكن تفسير هذه النتائج بالشعور “بالجاهزية” للحياة بعد الموت أين ينتظر المؤمنين الصالحين حياة أفضل.

ولقد بينت الدراسات أن علاقة الانسان مع ربِّ رحيم تُمكن الانسان من أن يموت في هدوء وأمل، في حين أن المصابين بدرجات عالية من قلق الموت سيبحثون عن تدخل طبي راديكالي من أجل اجتناب الموت بأي تكلفة.

التسامح: تقول نظرية إدارة الخوف أن الأفراد سيجدون الأمان، بما في ذلك الحياة الخالدة، في إطار نظرتهم الدينية الخاصة بهم. ينتج عن هذا، عند الكثير من الناس، عدوانية تُجاه الآخرين من الديانات الأخرى الذين لهم معتقدات مختلفة التي يرون أنها تتحدى معتقداتهم وتُقلل من شأنها.

فعلى سبيل المثال، فإن الأفكار التي ينشرها تنظيم داعش والتي مفادها أن العمليات الانتحارية تضمن الدخول المباشر والأكيد إلى الجنة هي أفكار جد جذابة بالنسبة للأشخاص ذوي الدرجات العالية من قلق الموت.

ولكن هناك دراسات أخرى تقترح أن الايمان قد يلعب دورا كبيرا في التقليل من قلق الموت والتبشير بالتسامح.

وقد وجدت إحدى الدراسات أن المفتاح إلى تسامح أكبر وإلى قلق أقل تُجاه الموت هو المعنى الذي يعطيه الناس لدينهم في حياتهم.

ثبت أن الأشخاص الذين صرحوا بأنهم يحاولون أن يعيشوا حياتهم كلها وفق معتقداتهم الدينية والروحية هم أقل قلقا من الموت وأنهم على الأرجح أن يُقَدِّروا ثقافات وتقاليد الآخرين وأنهم أكثر انفتاحا على المهاجرين.

وفي دراسة أخرى أُجريت في المملكة المتحدة وفي إيطاليا، ثبت أن المخاوف من الموت أدَّت إلى تحيز أكبر ضد المسلمين لدى غير المتدينين فقط.

الصلاح الاجتماعي: إن الخوف من الجحيم والعذاب ليس أمرا سيئا كله.

قد بينت الدراسات أن تدينا أكبر، بما في ذلك الايمان بالجحيم، له علاقة سببية باجتناب الغش والكذب والجرائم العنيفة.

ولكن المؤشر يشير إلى الخير عندما يعتنق الناس الفضائل الدينية مثل الكرم والعفو والتواضع والتي لها علاقة بدرجات قليلة من قلق الموت.

التقدم إلى الأمام

الخوف من الموت ليس موضوعا سهلا للتناول. يتخوف الكثير من الناس من أن الاعتراف بصراعهم هذا قد يُترجم على أنه نُقص في الايمان.

تُقدم الثقافة العلمانية قائمة لا نهاية لها من المُلهيات بدءا من منصات الاعلام الاجتماعي إلى الفيديو على النت من أجل شغل الناس عن التأمل في الموت.

إذن، كيف يمكن لمختصي الصحة والزعماء الدينيين أن يساعدوا الأشخاص الذين يعانون من قلق الموت.

أولا، هم في حاجة إلى العمل مع بعضهم البعض.

بالنسبة للقادة الدينيين هذا يعني أنه عليهم أن يرسلوا الأشخاص المصابين بعلل صحية مُستعصية إلى الأطباء للمعالجة.

وفي مهنة الطب، على الأطباء النفسانيين ومُقدمي الرعاية الصحية أن يعترفوا بأهمية الدين في حياة الأشخاص عندما يعالجون قلق الموت.

بالنسبة للفريقين، فإن هذا يعني معالجة مخاوف قد لا يجدها مفيدة في الحياة الأخرى من خلال العمال التي يقمون بها

فوزية، 42 سنة وأم لثلاثة أطفال. ارتدت فوزية الحجاب في مقتبل عمرها. تقول أن استماعها إلى الوعاظ من الشرق الوسط يتحدثون عن الموت والعقاب الذي ينتظر الناس العصاة بعد موتهم قد أدى إلى ظهور خوف مرضي من الموت عندها.

إن الخوف من الموت بدون التحضير له استهلك كل قواها. مجرد أحداث يومية بسيطة: رنة هاتف، عصفور يحط على نافذتها، انطفاء المصباح من تلقاء نفسه، كل هذا يتم تفسيره كإشارة من الله للاستعداد للموت.

بن احمد، واعظ متطوع من شرق العاصمة، يرى الناس يقدمون إلى المسجد ناظرين إلى انفسهم على انهم مذنبون.

مُضيفا: “أظن أن هذه هي نتيجة بعض الوعاظ المُتشددين الذين يُصوِّرون الله على أنه ذلك الخالق المُستعد للعقاب. يختار هؤلاء الوعاظ بعض النصوص التي يحاول الاسلام من خلالها إبعاد الناس من ارتكاب الذنوب الكبيرة، ثم إنهم لا يهتمون بالحديث عن مدى رحمة الله”.

ويقول بن أحمد أن الطريقة التي يمكن من خلالها التقليل من قلق الموت هي طمأنة الناس وإخبارهم بمدى رحمة الله وعدله.

في مسجد الامام البشير الابراهيمي أين ترى الصومعة ذاهبة في السماء في حي من أحياء أعالي العاصمة، اختتم إمام المسجد خطبة الجمعة بالتذكير بضرورة الاستعداد لليوم الآخر.

تشير الأبحاث إلى أن العالم قد يتغير عندما يتغلب الحب على الخوف.

جاء في القرآن الكريم: “للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوهم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون” –سورة يونس-

مصادر:

رابطة أرشيف المعطيات الدينية: يمكنك تصفح ما يقارب 1000 استبيان وكذا العثور على اقتباسات من مئات المقالات من المجلات للحصول على معلومات شاملة عن مواضيع مثل الجنة والنار.

الملامح الوطنية لأردا: عرض المعلومات الدينية والديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية لجميع دول أمريكا اللاتينية التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 2 مليون نسمة. علامات التبويب الخاصة لكل بلد يسمح أيضا للمستخدمين على مواضيع مثل الحياة بعد الموت.