علوبل بلوس: الدين والسياسة في الهند

كتابة يوم

التصنيفات أخبار وإعلانات, جميع المشاركات, غير مصنف, مقالاتالوسوم

الهندوس المتطرفون يستعملون الحيوان المُقدس للتمسك بالسلطة وإقصاء الأقليات

البقرة ليست حيوانا عاديا في الديانة والحضارة الهندية.

بقرة تتجول في السوق في الهند

هناك أدبيات كاملة منتشرة في نصوص دينية وفلسفية عن هذا الحيوان المُقدَّس والتي تم إنتاجها منذ حوالي 5000 سنة ضمن حضارة الوادي الهندي.

ولكن اليوم، أصبح الوجه المُوَقَّر للهندوس رمزا للرعب والوحشية والموت العنيف لكثير من المسلمين والأقليات الأخرى في أكبر ديمقراطية في العالم.

في السنوات الثلاث الماضية، أصبح المجتمع الهندي هلِعا من نداءات يُطلقها من يُسمَّون بجماعات حماية البقر تحت شعار حماية الأبقار من السرقة أو الذبح.

وقد بلغت أعمال العنف التي قام به االمتطرِّفون الهندوس، بما في ذلك أعمال الإعدام المُوثقة   بالفيديو، أبعادا تبعث على الخوف، مما أدى إلى صدمة ضمير في الأمة.

إن ما اعتاد أن يكون احتقانا تسببه محاولة الموازنة بين القوانين واسعة الانتشار  ضد ذبح البقر مع حقوق غير  الهندوس في استهلاك لحوم البقر باعتبارها عنصرا أساسيا في نظامهم الغذائي قد ألهبه القوميون الهندوس وحوَّلوه إلى موجة من العنف.

الضحايا هم في الغالب من المسلمين، ولكن هذا العنف موجه أيضا إلى طبقة “الداليت”، الذين كانوا يُعتبرون من “المنبوذين” في ظل نظام الطبقات الذي تم تجريمه الآن. وتعتبر جماعات “الداليت”، بشكل خاص، عُرضة لهذه الهجمات لأنهم غالبا ما يكونون المسؤولين عن التخلص من جثث الماشية والجلود.

وعلى الرغم من ادعاءات جماعات حماية البقر، يبدو أن العنف أكثر ارتباطا بالسياسة والجشع من ارتباطه بالدين.

الوزير الأول الهندي مودي

ما هذه الهجمات إلا تكتيكا آخر لاستغلال القومية الهندوسية كوقود للارتفاع الهائل لحركة “سانغباريفار”، وهو تكتل لجماعات الجناح اليميني “هيندوتوا” المتطرف، وعلى رأسهم هيراشتريا- سوايامزيفاك- سانغ (رسس)، وهي منظمة شبه عسكرية يمينية، وكذا حزب “بهاراتيا جاناتا”.

وقد اندلعت موجة العنف الأخيرة في عام 2014 عندما أصبح زعيم الحركة الرئيسي “نارندرامودي” رئيس الوزراء.

مثبت مسألة حماية البقرة قضية رئيسية في حملة حزب “بهاراتيا جاناتا” في انتخابات عام 2015 في ولاية “بيهار”.

هذه ليست قضية صغيرة.

إن التحديات التي يطرحها العنف العرقي والديني المعترف به سياسيا تضرب في قلب الهند الحديثة.

وقد أظهرت الأبحاث منذ زمن طويل أن إنكار الحريات الدينية وإثارة العداوة تجاه الأقليات يخلق دورة من الاضطهاد والعنف تؤدي إلى زيادة التوترات والحد من الحريات المدنية لجميع الفئات.

وعلى النقيض من ذلك، فإن حماية الحريات الدينية تساعد على الحد من الصراع، وذلك جزئيا عن طريق تقليل التسامح العام إزاء اليقظة العدوانية ضد الجماعات الأقل شعبية، والانتباه ضد “طغيان الأغلبية”.  وهذا يمكن أن يدفع الهند إلى الأمام في سعيها لتصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم، لمعالجة القضايا الاجتماعية الملحة في مجالات الفقر، وعدم المساواة الاقتصادية والصحة العامة.

كما أن نضال الهند يهم العالم الذي يتطلع إلى هذه الأمة المتنوعة بشكل مذهل والبالغ عدد سكانها 1.2 مليار نسمة، والتي تضم أكبر عدد من الهندوس و”الجينز” والسيخ، وثاني أكبر عدد من المسلمين وعشرات الملايين من المسيحيين، كأمة رائدة في مجال الحرية والتسامح في دولة ديمقراطية.

مظاهرات سلم لحماية البقر

إحياء التوترات القديمة

الهند ليست وحدها التي تتعامل مع القوى الوطنية التي تسعى إلى استغلال التحيز الديني والثقافي لتحقيق مكاسب سياسية. فإن تزايد الحركات المناهضة للمهاجرين في جميع أنحاء أوروبا، ومحاولة حزب أندونيسي هزيمة حاكم مسيحي في جاكرتا بتهم الهرطقة ضد الإسلام وكذا الدعم الضمني الذي قُدِّم لقوميين سياسيين ودينيين من قبل قادة العالم مثل فلاديمير بوتين في روسيا ودونالد ترامب في الولايات المتحدة ليست سوى بعض الأمثلة.

وقد واجهت الهند هذا التحدي من قبل.

لقد كان البريطانيون هم الأوائل الذين مارسوا خطة “فرِّق تسُد”، ووضعوا الأغلبية ضد سكان الأقلية، وأبقوا على الصراع بين الهندوس والمسلمين للحفاظ على سيطرتهم السياسية في شبه القارة الهندية.

إن إنشاء الهند وباكستان في نهاية الحكم البريطاني في عام 1947 كان في حد ذاته نتيجة للتعصب الديني، حيث أن كبار القادة السياسيين في كلتا الطائفتين قد أثاروا النعرات بين الطائفتين حتى يتمكنوا من الحصول على نصيبهم من الأرض وثروة المنطقة.

ومع ذلك، مع خلق العاصمة السياسية التي جاءت مع اعتبارها القوة السياسية التي أعطت الهند حريتها، نجح حزب المؤتمر في إقامة الديمقراطية في البلاد وكذا التحكم في المشاعر الطائفية إلى حد كبير في السنوات الأولى بعد الاستقلال.

ويضمن الدستور “حرية المعتقد والإيمان والعبادة” ويحظر على الدولة التمييز على أساس الدين أو العرق أو الطبقة “.

ولكن على مر السنين، أصبح حزب الكونغرس غارقا في الفساد وبدأت قبضته على السلطة تخِف في أواخر السبعينات من القرن الماضي.

بدأ حزب بهاراتيا جاناتا “بي جي بي” ببطء ولكن باطراد اكتساب القوة السياسية. لقد كان حزبا مجهريا حتى قبل أكثر من عقدين من الزمن فقط، وكان يمثله عضوان فقط في البرلمان. ولكن اليوم أصبح يُشكِّلُ حكومات في 15 ولاية وأصبح يحكم البلاد على المستوى الوطني.

كل هذا أصبح ممكنا بسبب سياسة التقسيم الطائفي. وقد بني حزب بهاراتيا جاناتا الصورة التي هي وحدها على استعداد لحماية المشاعر والثقافة الهندوسيتين، على الرغم من أن  تمثيلها للهندوسية هو أمر زائف. الهندوسية تبشر بقبول جميع المعتقدات الدينية، ولكن هذا الحزب العنصري وحلفائه استغلوا كراهية الملايين من الهندوس للمسلمين لأسباب تاريخية وسياسية وجغرافية.

ومن الأمثلة على ذلك: تدمير مسجد “بابري” التاريخي عام 1992 في شمال الهند من قِبل حشد تحولوا إلى العنف في تجمع لحزب “بهاراتيا جاناتا” على خلفية نزاع استمر قرونا من الزمن حول ما إذا كان هذا المسجد قد بُنِيَ على أرضية لمعبد هندوسي؛ واستمر هذا الاضطراب من أجل بناء معبد “رام” على هذا الموقع الذي يُعتقد أن يكون مسقط رأس الإله الهندوسي “الرب رام”، وكذا العنف الطائفي عام 2002 في “غوجورات”؛ وزيادة الهجمات على المسيحيين من قبل المتطرفين الهندوس.

والسبب في استخدام البقرة البريئة الآن كأداة سياسية هو أن حزب “بهاراتيا جاناتا” يحتاج إلى مصدر ثابت للوقود باستغلال الحُجج الجديدة عن النفوذ الطائفي لتعزيز بنكِه من أصوات الناخبين بين أغلبية الهندوس. البقرة هي رمز قوي لتأجيج العاطفة في المجتمع وضمان استمرار الفجوة الدينية بين الهندوس والمسلمين.

ومما يبعث على القلق بشكل خاص اليوم هو حدة العنف، وقبوله واسع النطاق لدى الحكومة كوسيلة للحفاظ على السلطة.

صعود جماعات اليقظة

ويقول الباحث “رادها ساركار”، كاتب جمعية السياسات في آسيا والمحيط الهادئ أن “لجان اليقظة لحماية البقرة” ليس أمرا جديدا في الهند، والعنف على خلفية حماية الأبقار قد حدث في الماضي أيضا. ومع ذلك، فإن تكرار هذه الأحداث والإفلات من العقاب لم يسبق له مثيل”.

ومنذ عام 2014، انتشرت مئات مما يُسمى بجماعات حراسة البقر في المدن والقرى في شمال الهند، مما أدى في بعض الأحيان إلى قتل حتى الأفراد المشتبه في نقلهم اللحوم.

ولننظر في بعض الحوادث التي أثارت قلقا واسعا:

  • في سبتمبر من سنة 2015، ضربت جماعة من الغوغاء في “دادري” في ولاية “أوتار براديش” رجلا مسلما يبلغ من العمر 50 عاما حتى الموت وأصابت ابنه بجروح خطيرة بعد أن تم الإعلان في معبد قريب بأن هذه العائلة قد استهلكت لحوم البقر.
  • في نيسان من سنة 2017، قُتِل أحد مزارعي الألبان البالغ من العمر 55 سنة من طبقة “داليت” ، و قد كان يحمل ترخيصا لنقل الأبقار. لقد تم قتله من قِبل مجموعة ممن يُسمون أنفسهم “حماة البقر”في طريق عودته من السوق بالقرب من “الوار” في منطقة “راجستان”.

• في یولیو من سنة 2016، تم جلد 7 من طبقة “الداليت” كانوا قد سلخوا بقرة ميتة، وتم عرضھم في شوارع “غوجورات “من قبل جماعات حماية البقر. وتم تصوير الحادث على الكاميرا وتم تعميم الشريط على وسائل الاعلام الاجتماعية.

رجوع للخلف

ولكن رغم تزايد الفظائع، هناك دلائل على حدوث تراجع كبير في جهود حزب “بهاراتيا جاناتا”.

ففي أبريل 2017 طلبت المحكمة العليا من حكومات ست ولايات ~ راجاستان، ماهاراشترا، غوجارات، جرخاند، كارناتاكا وأوتار براديش (كل يحكمها حزب بهاراتيا جاناتا الآن، باستثناء كارناتاكا) ~ للرد على شكوى تطالب بحظر جماعات اليقظة لحماية البقر بسبب العنف الذي ترتكبه هذه الجماعات. وقد تسببت المحكمة العليا فى انتكاسة كبيرة لهذه الجماعات عندما حكمت بأن تقوم كل مقاطعة بتعيين ضابط شرطة مهمته اتخاذ اجراءات صارمة ضد هذه الجماعات.

حتى رئيس الحكومة “مودى” اضطر، في مواجهته للغضب الشعبي، إلى إعلان الحظر على نشاط هذه الجماعات بعد حلول الظلام.

اختبار للديمقراطية

يقول المهاتما غاندي:

“كيف يمكنني إجبار أي شخص على عدم ذبح البقر إلا إذا كان هو نفسه مُستعد لذلك؟ ليس كما لو كان هناك فقط الهندوس في الاتحاد الهندي. هناك مسلمون، بارسيس، مسيحيون ومجموعات دينية أخرى هنا. لقد عاهدت نفسي طويلا لخدمة البقرة، ولكن كيف يمكن لديني أن يكون أيضا دين بقية الهنود؟ هذا يعني الإكراه ضد الهنود الذين ليسوا هندوسا “. –

كان غاندي، الأب الروحي الأمة، مدافعا عن حظر ذبح الأبقار.

لكنه أوضح أيضا أن جزءا من عقيدته يوصي بنبذ العنف ضد جميع أشكال الكائنات الحية، وكان يعلم أنه من الجنون محاولة فرض اعتقاد جماعة واحدة على الجماعات الأخرى في الهند.

“عُدَي ايباسو” هو محرر مُنسيق في صحيفة “ستايتسمان”، صحيفة يومية وطنية تصدر في وقت واحد في كل من كلكتا ونيودلهي وسيليغوري وبوبانسوار.