غلوبل بلوس: “حرياتي هي حرياتك”، ثمن تقييد الحرية الدينية

كتابة يوم

التصنيفات أخبار وإعلانات, غير مصنف, مقالاتالوسوم , ,

 

فتاة أصيبت في أعمال عنف ضد المسيحية في الهند.كتابة روجر فينك وديفيد بريجز

هذه فترة محفوفة بالمخاطر بالنسبة للحرية الدينية في جميع أنحاء العالم.

في التاريخ، أكثر من تسعة بلدان من أصل عشرة يزيد تعداد سكانها على مليوني نسمة، قد تم تصميم دساتيرها  بشكل جزئي أو كلي على مقاس إعلان الأمم المتحدة العالمي لحقوق الإنسان الذي ينصُّ على أنه “يحقُّ لكل فرد حرية الفكر والضمير والدين”، وله الحق في إظهار دينه أو معتقده في التعليم والممارسة والعبادة وشهود المناسبات الدينية “.

لكن هناك مجموعة متزايدة من الأبحاث وجدت أن الهوة بين الوعد والممارسة لا تزال واسعة، مع التَّنكُّر الروتيني للوعود بالحرية.

في عام 2009، خلُصت “أسماء جهانجير”، مُقرِّرة الأمم المتحدة الخاصة بحرية الدين، إلى أن “التمييز القائم على أساس الدين أو المعتقد الذي يمنع الأفراد من التمتع الكامل بجميع حقوقهم الإنسانية لا يزال يحدث في جميع أنحاء العالم وبشكل يومي”.

ويبدو أن الأمر يزداد سوءًا.

يقدر أحدث تقرير لمركز “بيو” للأبحاث أن 83 في المائة من سكان العالم يعيشون في بلدان ذات مستويات عالية أو عالية جداً من الاضطهاد الديني.

لا توجد منطقة أو دين عالمي أو حكومة علمانية مُعفاة من إنكار الحريات الدينية. وعلاوة على ذلك، فإن البحث المتسق دلَّ على أن الأقليات الدينية هي الأكثر حرمانا ومعاناة من مستويات عالية من التمييز والاضطهاد في شكل اعتداءات جسدية أو العقاب بالسجن.

غالباً ما يتم تبرير الحريات المتدنِّية كضرورة من ضرورات الحفاظ على السلام، ومع ذلك وجدت الأبحاث باستمرار أنَّ إنكار الحريات الدينية مرتبط ارتباطا وثيقا بمستويات أعلى من الصراع الاجتماعي والعنف. يُمكن العثور على هذه العواقب في كل مكان بدءا من العنف الطائفي الذي تم التغاضي عنه ضمنيًا من قبل قادة الحكومة القومية الهندوسية في الهند إلى الإغلاق الجماعي للكنائس والمساجد في دولة الصين المُلحدة بشكل رسمي.

يمكن مقارنة الحريات الدينية والحريات المتعلقة بالدين اليوم بالمبدأ الروحي لمحبة جارك، وهو مَثَلٌ عالمي  عندما يشاركك جارُك معتقداتك، ولكن يُمكن التغاضي عن هذا المثل بسهولة عندما يكون لدى جارك أفكار مختلفة عن تلك التي تحملها.

ومع ذلك ، فإن جميع الأبحاث تقرر بصوت عال وباستمرار: “حريتي هي حرياتك!”

احتجاج على اختطاف الصحفي السعودي جمال خاشقجي قبل اغتياله في وقت لاحق.

الحرية الدينية في عام 2019:

جدل الإيمان والقوة

ومع ذلك، فإنه من الصعب تطبيق هذا المبدأ على الرغم من وجود أدلة متزايدة.

في أواخر شهر أغسطس، نظر الصحفي السعودي جمال خاشقجي إلى صحيفة الواشنطن بوست عن الانقلاب العسكري في مصر عام 2013، والذي قامت به جماعات معارضة علمانية ضد أول حكومة منتخبة بحرية في البلاد، ذلك الانقلاب الذي أنهى بالفعل، في نفس الوقت، الآمال العظيمة للحرية السياسية التي جاء بها الربيع العربي. وكتب يقول أن أحد الدروس المهمة التي لا يزال يتعيَّن تعلمها هو أن الكراهية المتعالية لأي نظام مثعتقَد، بما في ذلك مختلف أشكال الإسلام السياسي، يمكن أن تكون لها عواقب غير مقصودة. ففي المثال المصري، أشار إلى أن “استئصال جماعة الإخوان المسلمين ليس أقل من إلغاء الديمقراطية مما يُفضي إلى أن العرب سيواصلون العيش في ظل الأنظمة السلطوية والفاسدة.” (بالكاد مضى شهر على ذلك، قُتل خاشقجي من طرف وكلاء سعوديين).

وفي الآونة الأخيرة، بعدما سمحوا لأنفسهم بالارتباط الوثيق بفلاديمير بوتين، دفع الزعماء الروس الأرثوذكس ثمن ذلك عندما قرَّر، منتصف كانون الأول / ديسمبر الماضي، القادة الأرثوذكس الأوكرانيون الانفصال عن بطريركية موسكو وتأسيس كنيستهم المستقلة.

لماذا هذه المجازفة؟

الجواب: الإغراءات كبيرة.

على الرغم من ارتباط الحريات الدينية ارتباطًا وثيقًا بارتفاع وسقوط الحريات المدنية الأخرى ، إلا أن الدين يحمل علاقة خاصة مع الدولة والثقافة بمفهومها الأوسع.

جنبا إلى جنب مع إتاحة المعتقدات الدينية والرموز والممارسات للمجتمع المحلي، يمكن للمؤسسات الدينية أيضا أن تكون بمثابة مصدر للوحدة والانقسام على الصعيدين الإقليمي والوطني. وفي الواقع، فإن أحد المخاوف بالنسبة للهيئات الإدارية هو أنه يُمكن لهذه المؤسسات الدينية أن تُوفر شكلاً تنظيمياً للضغوطات السياسية والثقافية الكامنة، وأن تكون مصدراً للصراع.

بالنسبة للدولة، يُمثل تشكيل تحالف مع دين الأغلبية وعدا بالاستقرار السياسي والدعم المرئي من الدين والثقافة السائدين، ويوفر آلية تسمح للدولة بمزيد من السيطرة على الدين السائد.

بالنسبة للمؤسسات الدينية، توفر هذه التحالفات فرصًا لدعم الدولة وتقييد أنشطة المنافسين. المنافسون الأكثر وضوحا هم الأديان الأخرى، لكن ليست المؤسسات الثقافية وحدها، بل حتى المؤسسات الحكومية (مثل المحاكم العلمانية والمدارس وغيرها)، كل هذه يمكن اعتبارها منافسة للدين المُسيطر.

ونتيجة لذلك، غالباً ما تُؤدِّي مثل هذه التحالفات إلى حريات أقل بالنسبة لديانات الأقليات وكذا بالنسبة للعديد من المنافسين الثقافيين الآخرين، بما في ذلك الحركات التي تدعو إلى حقوق الإنسان الأخرى، بل وحتى الديانات السائدة المنسجمة مع الدولة التي عادة ما تواجه هي الأخرى قيوداً متزايدة.

أحد ممارسي ديانة “الفالون غونغ” تحت قبضة رجال الشرطة في ميدان “تيانانمن”.

حرية دينية في عام 2019:

تهديدات متعددة

حالياً، تُقدم البلدان ذات الأغلبية المسلمة الأمثلة الأكثر وضوحاً عن الطريقة التي يُمكن بها للرابطة القوية بين الدين والدولة أن تحُدّ من الحريات الدينية للآخرين.

في إيران، حيث ينُص الدستور على أن القوانين يجب أن تستند إلى “المعايير الإسلامية”، تُحظر فيها القوانين على المواطنين المسلمين تغيير أو رفض معتقداتهم الدينية. علاوة على ذلك ، يجب على القيادات المُنتخَبة أن تُقسم اليمين على دعم الدين الرسمي وأن يرأس المحاكم باحث إسلامي شيعي، والذي بإمكانه أن يُصدِر أحكاما تستند إلى مصادر قانونية إسلامية.

حتى في إندونيسيا، أكبر دولة ذات غالبية مسلمة في العالم، ازدادت فيها المخاوف بشأن مستقبل الديمقراطية عندما اُتُهِم حاكم مسيحي ذو شعبية كبيرة في جاكرتا بالتجديف وسُجن في ما اُعتبر على نطاق واسع جهداً سياسياً صارخاً لتنحيته من منصبه.

لكن دعم الدولة لدين مهيمن يحُدُّ أيضاً من الحريات الدينية في البلدان غير الإسلامية مثل الهند (الهندوسية) وميانمار (البوذية) وإسرائيل (اليهودية).

غير أن فصل أنشطة المؤسسات الدينية عن الدولة لا يُقدم أي ضمانات بأنه سيتم احترام الحريات الدينية. تُدعِّمُ بعض الدول العلمانية، وخاصة الدول الشيوعية منها، أيديولوجية تنظر إلى المنظمات الدينية على أنها تهديدات مُحتملة.

عندما حاصر عشرة آلاف من أتباع “فالون غونغ” مجمع قيادة “بكين” في احتجاج صامت في 25 أبريل 1999 ، كان رد الحكومة الصينية سريعًا وبالغ الآثار. وبحلول شباط / فبراير 2000 ، وُصفت الحركة بأنها “عبادة شريرة”، وقد تم اعتقال ما يقدر بنحو 35000 مُمارس، و 300 سجين، وتم إرسال 5000 إلى معسكرات العمل ، و 50 ذهبوا إلى مستشفيات الأمراض العقلية.

وفي الآونة الأخيرة، أدت محاولة الحكومة الصينية “لإضفاء الصبغة الصينية” على جميع الأديان في الصين إلى ترحيل مسلمي “الأويغور” إلى معسكرات إعادة التربية، حيث كانت التقديرات الأقرب إلى الدقة فيما يخص أعداد هؤلاء هو مليون شخص. وقد واجهت الكنائس المسيحية البروتستانتية أيضًا قوانين مُتشددة بشكل كبير في عام 2018. وقد أزيلت الصُلبان والصور المُقدسة وتم إغلاق المئات من الكنائس. وفي عدة حالات ، دُمرت مرافق العبادة بأكملها وسُجن القادة الرئيسيون أو أُرسلوا إلى معسكرات إعادة التربية.

هناك دول أخرى حازمة في فرض العلمانية العامة. فقد قامت فرنسا، على سبيل المثال، بمنع ارتداء الغطاء الكامل للوجه في الأماكن العامة، وهو قانون يستهدف النساء المسلمات بشكل واضح. وذهبت مدينة “لوريت” إلى أبعد من ذلك، حيث فرضت حظرًا على ارتداء “غطاء الرأس” وحظرت على النساء ارتداء ملابس السباحة لكامل الجسم في مسبح عام خارجي، والذي تم افتتاحه في عام 2017.

المسلمون ليسوا وحدهم عُرضة للهجوم. فقد وثَّقت دراسة جديدة شملت 19 دولة ديمقراطية على النمط الغربي 148 مداهمة حكومية ضد الحركات الدينية الجديدة من عام 1944 إلى عام 2018. وقد ارتكبت فرنسا وحدها 58 مداهمة.

هناك قيد أكثر دهاء، ولكنه بعيد المدى في التضييق على الأديان، وهو شرط الاعتماد الديني.

على مدى السنوات العشرين الماضية، كان هناك تزايد واضحا في عدد البلدان التي تطلب الاعتماد وممارسة عملية التسجيل هذه هدفها التمييز ضد مجموعات محددة.

في عام 2012، وجد باحثو “بيو” أن متطلبات التسجيل كانت تمييزية ضد أديان مُحددة في 45 بالمائة من الحالات.

خُذ بعين الاعتبار هذه الأمثلة:

ففي روسيا مثلا، وﺑﻌد دﺧول ﻣﺟﻣوﻋﺎت دينية جديدة إﻟﯽ اﻟﺑﻼد ﻋﻘب ﻗﺎﻧون ﻋﺎم 1990 الذي ﮐﺎن يعِدُ ﺑﺎﻟﺣرية اﻟدﯾﻧﯾﺔ، تم إﺻدار تشريع جديد ﻓﻲ ﻋﺎم 1997 يُلزم أي ﻣﺟﻣوﻋﺔ دينية التواجد ﻓﻲ اﻟﻣﺟﺗﻣﻊ ﻟﻣدة 15 سنة ﻗﺑل أن تتأھل للإعتماد. وقد حُرم الأشخاص غير القادرين على استيفاء شروط التسجيل من الحق في التملّك ونشر المطبوعات واستيفاء الاستحقاقات الضريبية، وواجهوا قيوداً على أماكن إقامة العبادات. عندما جاء قانون سنة 1999 المُعدِّل لقانون 1997، ألزم هذا القانون الجديد جميع المجموعات الدينية بإعادة التسجيل أو مواجهة الحل، وقامت وزارة العدل بحل حوالي 980 جمعية دينية بحلول مايو 2002.

ﺗطﺎﻟب اﻟﻧﻣﺳﺎ ﺑﺿرورة أن ﺗُﻣﺛِّل اﻟﻣﺟﻣوﻋﺎت اﻟﻣﺳﺟﻟﺔ (المُعتمدة) كجمعيات دينية ﻣﺎ ﻻ يقل عن 0.2 ﻓﻲ اﻟﻣﺎﺋﺔ ﻣن اﻟﺳﮐﺎن ( أي ﺣوالي 16000 ﺷﺧص) وأن يكون لها تواجد سابق لما لا يقل عن  20 سنة ، عشر سنوات منها على الأقل كجمعية دينية ﻓﻲ اﻟﻧﻣﺳﺎ.

  • ﻓﻲ أذرﺑﻴﺠﺎن، ﺣﺘﻰ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺒﺪو أن ﻣﺘﻄﻠﺒﺎت اﻟﺘﺴﺠﻴﻞ اﻟﺮﺳﻤﻲ ﻗﺪ تحققت، ﺗمتلك ﻣﻜﺎﺗﺐ اﻟﺘﺴﺠﻴﻞ اﻟﻤﺤﻠﻴﺔ ﺳﻠﻄﺎت ﺗﻘﺪﻳﺮﻳﺔ واﺳﻌﺔ ﻓﻲ رﻓﺾ اﻟﺘﺴﺠﻴﻞ، ولا ﺗُوفِّر اﻟﻤﺤاكم اﻟﻤﺤﻠﻴﺔ إلاَّ القليل ﻣﻦ اﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﻣﻦ هذه اﻟﻘﺮارات اﻟﻤﺘﻨﻮﻋﺔ.

كل هذه القيود لها عواقب مهمة.

وجدت إحدى الدراسة العالمية أن قفزة حادة تحدث في كمية العنف المتصل بالدين حينما تفرض الدول قيودًا أكبر على الحرية الدينية. أما الدُّول التي سجَّلت درجة “منخفضة” من القيود الحكومية على الدين فإنه لم يُسجل فيها هذا النوع من العنف. في المقابل، فإن 45 في المائة من البلدان ذات القيود الحكومية “المرتفعة” على الدين، فإنها عاشت مثل هذا العنف.

لكن الحكومات والسياسات والتشريعات ليست هي المصادر الوحيدة لإنكار الحريات.

يمكن للثقافة الشعبية ووسائل الإعلام والدوائر الأكاديمية وجماعات الاستشارات الدينية والسياسية، والتحيزات التي يتم التعبير عنها علانية على وسائل التواصل الاجتماعي أو في السوبرماركت المحلي، يمكن لكل هذا أن يُحدث فارقاً.

لكل فرد دورٌ في تعزيز الحريات الدينية أو الحرمان منها.

حرية دينية في عام 2019:

حماية الحريات

وقد لاحظ المفكر السياسي الفرنسي “ألكسيس دي توكفيل”، منذ ما يقرب من قرنين من الزمان، أنه إذا ما تم تدمير المؤسسات الحرة في أميركا، فإن هذا الحدث يُمكن أن يُعزى إلى القدرة الكلية للأغلبية، والتي قد تدفعُ الأقليات في وقت ما في المستقبل إلى اليأس”

تُؤكد الأبحاث العالمية الكثيرة في السنوات الأخيرة، من جهة، تحذيرات “دي توكفيل” عن “استبداد الأغلبية”، ومن جهة أخرى، تُؤكد هذه الأبحاث التحديات المختلفة التي يجب التصدي لها لحماية الحق في حرية المُعتقد.

إن أحد مفاتيح مواجهة هذه التحديات هو الحفاظ على سلطة قضائية مستقلة لحماية الأقليات من الإرادة التشريعية للأغلبية ومن تصرفات الحكام.

لكن هذا يعني أيضا ضرورة معالجة الضغوط الاجتماعية والثقافية المؤدية إلى الحرمان من الحريات.

مثلما تعمل الضغوط الاجتماعية والثقافية على إذكاء التمييز بسبب العِرق والتوجُّه الجنسي، فإنها تُثير التمييز ضد الجماعات الدينية.

وتُنادي الأديان المُسيطرة والمجموعات الثقافية السائدة بتاريخ بلادهم وثقافتها كدوافع للحرمان من الحريات الدينية وحتى بتبرير العنف. العديد من الهويات الوطنية والثقافية متشابكة بشكل وثيق مع أو ضد أديان مُعيَّنة والتي تَعتبِر أن الحريات الدينية للجميع أمرًا يُشكِّل تحديًّا للهوية الثقافية ككل.

في العديد من البلدان، أدَّت هذه الضغوط إلى العنف. وقد أفادت وزارة الداخلية في الهند أن 97 حالة وفاة و2264 جريح نجمت عن “حوادث طائفية” تورَّطت فيها الطوائف الدينية. وكانت المجموعات الأكثر استهدافًا هي جماعات الأقلية المسلمة والمسيحية.

في الولايات المتحدة، أفاد مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف. بي. آي) بأن 1749 جريمة كراهية دينية حدثت سنة 2017 ، كما وجد مسحٌ وطني لأكثر من 1300 جماعة دينية أن ما يقرُب من 40٪  من أعضائها قد أفادوا بأنَّهم تعرضوا لعمل إجرامي في العام الماضي. كما يتضح هذا أيضا من مقتل 11 شخصًا في كنيس يهودي في “بيتسبرغ” وحرق المساجد الإسلامية. إنه من المؤكد أن هذه الضغوط الاجتماعية تتجاوز أعمال التمييز البسيطة.

ومع ذلك، تتَّفقُ جميع مجموعات البيانات الحديثة على أن مستوى التمييز الاجتماعي ضد الأقليات، وخاصة ضد المسلمين واليهود، هي أعلى في أوروبا من مستوياتها في الولايات المتحدة.

حتى من دون فرض قيود رسمية على الدين، وحتى وجود جهود الحكومة للحدِّ من التمييز، فإنه بإمكان الضغوط الثقافية والحركات الاجتماعية والتضييقات غير الرسمية أن تقيِّد الحريات وتُشجع النزاعات بين الجماعات، ومنه يمكن أن يظل التَّمييز سائدًا في التعليم والتوظيف والتفاعلات اليومية.

وهذه الضغوط الثقافية والمؤسسية نفسها التي تؤدي إلى التمييز ضد الأديان، وخاصة الأقليات الدينية، ترتبط أيضا بزيادة الضغوط من أجل المزيد من القيود الحكومية.

ووجدت دراسة لجامعة “مونستر” سنة 2010 أنَّ أكثر من نصف المُستجوبين الفرنسيين قالوا أنه يجب تقييد ممارسة الديانة الإسلامية بشدة. كما يُمكن أن تؤدي الضغوط الاجتماعية إلى ميل السلطات المحلية إلى التغاضي عن التمييز أو العنف ضد الأقليات الدينية.

إن ما يحدث في كثير من الأحيان هو دورة مُفرغة ومستمرة من الضغوط الاجتماعية التي تؤدي إلى المزيد من التمييز الحكومي ضد الأقليات الدينية، كما تسمح زيادة التمييز الحكومي بمزيد من التمييز والعنف من قبل الجهات غير الحكومية الفاعلة.

لأن الحريات للجميع غير مريحة، وغالبا ما يتمُّ التغاضي عن دعم هذه الحريات على خلفية مصالح. إنَّ غضَّ الطرف هو أمر سهل عندما تكون المجموعة الدينية أقلية. فهي ليست أقل ظهورا فحسب، بل يُنظر إليها في كثير من الأحيان على أنها تهديد أو مرتبطة بأقلية عرقية أو لغوية.

إنَّ إنكار الحريات الدينية يُشِّكل مخاطر متعددة:

أولاً ، دعم الحريات الدينية يعمل على نزع فتيل العنف المحتمل بدلاً من تعزيزه.

ثانيا ، إن الحرمان من الحريات الدينية يُشكِّل تهديدا للحريات الأخرى، مثل حرية التعبير وحرية التجمع.

ثالثاً ، تُستخدم الإجراءات المستعملة لتقييد حريات الأقليات لتقييد حريات جميع الأديان.

“إذا قُمِع الناسُ، فسيكونون عنيفين، إذا احتقرت ديانة الآخرين فسيكون هناك عنف. “علينا أن نعترف بمساحات الآخرين وأن نحترمهم على ما هم عليه” ، هذا ما قاله “كوابينا أسامواه جيادو”، أستاذ المسيحية الأفريقية المعاصرة في معهد اللاهوت الثالوثى، في العاصمة “أكرا”، غانا.

النتيجة: عندما يتم تأمين الحريات بشكل عام وللجميع، تُصبح حريات حتى أصغر أقلية نابعة عن حرية الآخرين.

ببساطة: سيكون لديَّ دافعٌ أكبر لدعم حرياتك الدينية، عندما تكون حرياتك هي حرياتي.

*  “روجر فينك” ، أحد أبرز المراجع العالمية في مجال الحرية الدينية، وهو أستاذ مُتميِّز في علم الاجتماع والدراسات الدينية والشؤون الدولية بجامعة ولاية “بنسلفانيا” وهو أيضا مدير رابطة أرشيف بيانات الدين (آردا).

* يكتب ديفيد بريجز عمود “أهيد أُوف دي تراند” عن التطورات الجديدة في بحوث الدين لرابطة أرشيف بيانات الدين (آردا).