غلوبل بلوس: معاداة السامية في الأمريكتين

كتابة يوم

التصنيفات أخبار وإعلانات, جميع المشاركات, غير مصنف, مقالاتالوسوم , , ,

 

نتذكر من خلال الأزهار وبطاقات الصلاة ضحايا حوادث إطلاق النار في معبد “شجرة الحياة”.

العنصرية والتحامل وتصاعد الكراهية ضد اليهود

بقلم بيدرو بريجر *

كان هجوم 27 أكتوبر 2018 على كنيس يهودي في مدينة “بيتسبيرغ” الأمريكية هجوما ضمن قائمة طويلة من الضربات المعادية للسامية ضد مراكز الجالية اليهودية أو معابدها داخل معاقلها.

وقد ربط المُتهم بالاعتداء، وبوضوح، هجومه على الكنيس اليهودي بالجمعية العبرية لمساعدة المهاجرين، وهي منظمة يهودية تساعد المهاجرين غير اليهود من الذين يصِلون إلى الولايات المتحدة. لهذا السبب ، فإن الهجوم الذي أدى إلى مقتل 13 شخصًا له بُعدٌ جديد.

هذه المرة، لم يُشكِّل اليهود هدفًا لكونهم يهودًا، بل لأنهم كانوا يهودًا يساعدون المهاجرين عمومًا.

إن التحامل الذي يتحول إلى خوف والذي بدوره يتحوَّل إلى أعمال عنف مُوجَّهة إلى جميع أعضاء الجماعات الدينية أو العرقية هو وراء تنامي معاداة السامية في العالم. إن الإحياء المعاصر لهذا الشر القديم لا يتعلق بالمجتمع اليهودي فحسب، بل يتعلق بالشُّعوب في جميع أنحاء العالم والتي تتعرض للهجوم مع ظهور وتنامي حركات الهوية الوطنية المتجذِّرة في الخليط السام الذي يجمع بين التعصب والعنصرية والنفعية السياسية.

يتميز الفكر العنصري بتفكير مُسطَّح مليء بالتحامل. إذا كان بإمكان الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أن يقول إن المكسيكيين يغتصبون أو يقتلون مواطنين أمريكيين، فبالنسبة للكثيرين، فإن جميع المكسيكيين هم مغتصبون. كذلك، فإذا كانت منظمة يهودية تساعد المهاجرين، فإن كل اليهود يفعلون ذلك ويستحقون العقاب أينما كانوا.

بطريقة ساذجة، ربط معتدي “بيتسبورغ” خطاب الرئيس المعادي للهجرة مع وجود مُنظمة يهودية تدعم المهاجرين. وكنتيجة لذلك، قرَّر مهاجمة ما يراه “يهوديًا” – كنيس يهودي خلال يوم السبت أين يكون الحضور في أقصاه.

معاداة السامية اليوم ليست أقل حقدًا، لكنها أكثر تعقيدًا، ومتشابكة في الحركات القومية المتطرفة مع سياسات الهوية التي تعْبُر الحدود الجغرافية وحدود التمدُّن بشكل متزايد.

لمكافحة معاداة السامية، يجب علينا أن ندرك جذورها التاريخية ومختلف العوامل السياسية والاجتماعية والدينية المعاصرة والتي تلعب دوراً في إحياءها.

إنه تحدٍّ لنا جميعًا.

الرموز النازية تدنس قبرًا في مولدوفا.

العديد من أشكال الكراهية.

في الواقع، فإن تصاعد الكراهية ضد المنظمة اليهودية “HIAS”  وضد المهاجرين (وبشكل أساسي ضد  اللاتينيين) يدلُّ بشكل واضح على أن العنصرية والعداء تُجاه الأقليات العرقية والدينية والثقافية موجود بطرق متعددة وفي جميع المجتمعات.

يمكنك كتابة وملء صفحات بأمثلة عن العنصرية: بدءًا من “الدومينيكاني” الأسود الذي يشعر بالتفوق ويكره “الزنجي” الهايتي الذي يُشاركه نفس الجزيرة، ووصولاً إلى الاضطهاد الديني في كمبوديا؛ ثمَّ ما حدث في رواندا وحتى في أوروبا “النبيلة” التي أغلقت أبوابها في وجه أولئك الذين يحاولون عبور البحر الأبيض المتوسط من أجل البقاء على قيد الحياة، ثم الموت أثناء محاولتهم ذلك بسبب غرق مراكبهم الهشة.

تجدر الإشارة هنا أيضًا إلى أن الجماعات اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة قد تغيرت بشكل كبير على مر السنين. شمِلت معركة  “كو كلوكس كلان” (Ku Klux Klan) الأصلية ضد السود والمهاجرين (بمن فيهم اليهود) عرقلة الحقوق المتساوية. هذا النوع من المعارك تراجع إلى الخلف.

أما اليوم، فإن الغالبية العظمى من هذه الجماعات تتبنى خطابًا مُعاديًا للإسلام ومناهضًا للاتينيين، وكذلك مناهضًا للمِثليِّين ومزدوجي الميل الجنسي وذوي الهوية الجنسانية المختلفة.

من المُهم أن نتذكر أن العديد من هذه الجماعات التي تنشط بشكل كبير على الشبكات الاجتماعية كانت قد  نفَّذت حملة مُمنهجة ضد الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما”، تلك الحملة التي شيطنته كمسلم مولود في الخارج. مرارًا وتكرارًا، كان على “أوباما” أن يرفض وينفي “الاتهامات”. وبغض النظر عن هذا، فإنَّ استطلاعات الرأي العديدة أظهرت بأنَّ الآلاف من المواطنين الأمريكيين ما زالوا يعتقدون أن “أوباما” لم يولد في بلاده وأنه مسلم بالفعل.

يُوضِّح هذا مرة أخرى فعالية حملات الشيطنة القائمة على التَّحيز وأن ظاهرة “الأخبار المزيفة” ليست بالأمر الجديد. من المهم أن نتذكر، في سياق مُتَّصل، كيف أن المنشور الشعبي المعادي للسامية الذي يحمل عنوان “بروتوكولات حكماء صهيون” ، والذي صاغته أجهزة المخابرات القيصرية في نهاية القرن التاسع عشر، لا يزال يتم نشره في جميع أنحاء العالم.

 

كتابات على جدار السفارة الإسرائيلية في كراكاس ، فنزويلا.

معاداة السامية اليوم

إنَّ معاداة السامية المعاصرة، أي الكراهية تُجاه “اليهودي” الذي نشأ في القرن التاسع عشر وكان أكمل تعبيراته عن الهمجية في القرن العشرين ، هو نتاج لأوروبا الغربية والشرقية التي استهدفت اليهودي الذي تم تصويره على أنه تاجر جَشِع ومُضارب . في الواقع، الكلمة نفسها ليست مرتبطة بـ “السامية” بشكل عام، بل ترتبط باليهودي بشكل خاص.

في العالمين العربي والإسلامي خارج أوروبا، لم يكن هناك، طيلة قرون من الزمن، اضطهاد لليهود يشبه طرد اليهود في إسبانيا والبرتغال في نهاية القرن الخامس عشر أو يُشبه “بوغروم” (المذابح) (كلمة روسية تُعبِّر عن هذا الحادث) في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في روسيا وأوكرانيا.

أكثر من ذلك، فإنَّ كلمة “معاداة السامية” لم يكن لها حتى ما يعادلها في اللغة العربية بالنظر إلى تعبير “السامية” (غير سامية)، وتمت ترجمتها في صيغتها الحديثة على أنها “الكراهية تجاه اليهودي”.

ومع ذلك، فإن ظهور الحركة الصهيونية ورغبتها في إقامة وطن لليهود في المناطق التي كانت تُهيمن عليها أولاً الإمبراطورية العثمانية، ثم فلسطين في ظل الحكم البريطاني، قد عدَّل علاقة العالمين العربي والإسلامي باليهود. إنَّ رفض دولة إسرائيل والصهيونية أصبح مرتبطًا مع رفض اليهود أنفسهم، بمن فيهم أولئك الذين عاشوا معهم لقرون في البلدان العربية أو الإسلامية.

بسبب مركزية الشرق الأوسط، انتقل ما يُسمَّى بالصراع العربي الإسرائيلي إلى بقية العالم بعد حرب عام 1967. في الوقت نفسه، أدَّى الوجود العربي-الإسلامي القوي في فرنسا، والذي نتج عن ماضي هذا البلد الاستعماري (خاصة الجزائر والمغرب وتونس) وإنهاء الاستعمار الأفريقي في الستينيات والاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1967 ، كل هذا أدَّى إلى رفض السياسات الإسرائيلية، هذا الرفض الذي جاء مليئًا بالرسائل المعادية للسامية في أوروبا.

كان هذا صحيحًا أيضًا في الولايات المتحدة حيث حدث رفضٌ للسياسات الإسرائيلية بالتوازي مع النِّضال المتزايد من أجل المساواة لصالح السود، وحركة “فيتنام” المُناهضة للحرب (بدعم من إسرائيل)، واعتناق الدين الإسلامي من طرف شخصيات مشهورة (كاسيوس كلاي – محمد علي) ، ونمو الجماعات الإسلامية المتطرفة التي أدَّى خطابها المعادي لإسرائيل والخطاب المعادي للسامية إلى توتر العديد من الحركات الاجتماعية، بما في ذلك الحركة النسائية الأخيرة.

إذا تم ذكر دعم دولة إسرائيل لحرب فيتنام، فذلك لأن السياسة الخارجية الإسرائيلية بدأت تلعب دوراً على الساحة الدولية ، حتى في المناطق البعيدة عن الشرق الأوسط. فهكذا دعَّمت إسرائيل علانية الديكتاتوريات الدموية في أمريكا اللاتينية خلال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، على الرغم من حقيقة أنه في حالة الأرجنتين، ركَّز الجيش في السلطة بين عامي 1976 و 1983 على ذبح المُحتجزين من أصل يهودي.

كحالة خاصة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، يُعتبر الأرجنتين بلدًا قد عانى من “مذبحة” في بداية القرن العشرين وهجومين إرهابيين في نهاية القرن نفسه. في أعقاب إضراب عمالي كبير سنة 1919، اتهمت الجماعات المعادية للعمال والمناهضة للشيوعية قادة الجالية اليهودية بصفتهم مهندسي “السوفييت اليهود” الذين حاولوا محاكاة الثورة البلشفية عام 1917. في الواقع ، كان العديد من اليهود من بين قادة الثورة البلشفية. لقد تمَّ اصطيادهم نتيجة لذلك، وقد قُتِل العديد من اليهود.

حدث ذلك في الفترة ما بين 6-13 يناير 1919 وأصبح معروفًا باسم “الأسبوع المأساوي”. ووفقًا لشهادات مختلفة، فقد أسفر هذا عن مقتل ما مجموعه 700 شخص، تمَّ محوهم من التاريخ الرسمي للأرجنتين باستثناء النقابات وبعض المنظمات اليسارية في الجماعات اليهودية. .

في عام 1992، دمَّر هجومٌ السفارة الإسرائيلية في “بوينس آيرس” وأسْفر عن مقتل 22 شخصا. وقع هجوم آخر في عام 1994 ضد مقر أهم تعاونية يهودية في البلاد، وهي “الجمعية التعاونية الإسرائيلية الأرجنتينية (AMIA) ، مما أسفر عن مقتل ما يقرب من 100 شخص.

لا يزال مرتكبو الهجومين مجهولين حتى يومنا هذا، على الرغم من أن قادة الجالية المنظمة اليهودية والحكومة الإسرائيلية يُصِرُّون على أن مرتكبي الهجومين هم قيادة حزب الله اللبناني تحت قيادة جمهورية إيران الإسلامية.

تقوم العديد من المنظمات غير الحكومية في أمريكا اللاتينية بتوثيق الأحداث ذات العلاقة بمعاداة السامية، مثل “رابطة مكافحة التشهير” من الولايات المتحدة أو مركز “سيمون ويزنتال”، والذي جاء استجابة للحاجة إلى محاكمة القادة النازيين الذين فروا من ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. بينما تقوم هذه المنظمات بتوثيق أعمال معاداة السامية على المستويين العالمي والإقليمي، فإن جزءًا كبيرًا من نشاطها اليوم يتمثل في الدفاع عن سياسات الحكومة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.

فيما يتعلق بأمريكا اللاتينية، ينصب التركيز اليوم على تجنُّب العلاقات بين الحكومات الإقليمية وجمهورية إيران الإسلامية، وهي دولة تعتبرها إسرائيل عدوَّتها الرئيسية اليوم. كان هذا واضحًا جدًا في حالتي الحكومتين الفنزويلية والبوليفية.

كلُّ هذا يعني أن معاداة السامية اليوم أصبح أكثر تعقيدًا عند مقارنته بالكراهية الواضحة والبسيطة والاضطهاد المعروف ضد اليهود في الماضي.

إلى الأمام

إنَّ هجوم “بيتسبيرج” لم يكن فورةً لشخص “مضطرب عقليا”، وهذا ما يتم ادِّعاؤه عادة في مثل هذه الأحداث في الولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بمرتكبي الهجمات الجماعية (القتل الجماعي) ضد المواطنين. كمرشح للحملة الانتخابية، وضع “دونالد ترامب” قضية الهجرة من أصل لاتيني كمحور لدعايته السياسية. لقد فعل ذلك للحصول على أصوات ناخبي المناطق الأكثر محافظة ورجعية، ولتعزيز ظاهرة ميول “الأمركة”.

على النقيض من ذلك، تطورت الجمعية العبرية لمساعدة المهاجرين، والتي تأسست عام 1881 لمساعدة اليهود الذين يصلون إلى الأراضي الأمريكية، وتحولت إلى مساعدة اللاجئين من جميع الجماعات الدينية والعرقية.

في السنوات الأخيرة، أصبحت المنظمة ضالعة بشكل مباشر على الحدود الأمريكية المكسيكية من حيث المساعدة القانونية لطالبي اللجوء، وكذا السفر إلى الحدود لقادة الجمعيات والحاخامات المعارضين لسياسة الحكومة التي تتبنى سياسة ” صفر التسامح” تُجاه المهاجرين.

في 19 سبتمبر 2017 ، نشر رئيس (HIAS)  “مارك هاتفيلد” مقالة نقدية في صحيفة “نيويورك ديلي نيوز” حول سياسات “ترامب” ودعا إلى “الترحيب باللاجئين”. يبدو أن المسلح قيد الاعتقال، واسمه “روبرت باورز”، مهووس بالمهاجرين وأولئك الذين يساعدونهم، (HIAS) في هذه الحالة، فكتب على شبكته الاجتماعية: ” ( HIAS)  تريد أن تجلب لنا الغُزاة الذين يقتلون شعبنا (….)، أنا لا أستطيع الجلوس مكتوف اليدين وأُشاهد شعبي يُذبح.”

وبشكل لا يصدق، في 29 أكتوبر، أي بعد يومين من الهجوم، أشار الرئيس “ترامب” في حسابه الشخصي على “تويتر”  إلى أن قافلة المهاجرين من أمريكا الوسطى والذين يقتربون من الحدود الجنوبية تُمثِّل “غزوًا لبلدنا”. وكان هذا متفقًا مع رسائل “باورز” المُشار إليها أعلاه.

يمكن للمرء أن يجد خطًا مشابهًا في التفكير في كتابات العنصري الأسترالي الذي اُتُّهم في مذابح شهر مارس الماضي والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 50 من المصلين في مسجدين في “كرايس تشيرش” في “نيوزيلندا”.

لقد أشار “بيانه” إلى غير البيض بوصفِهم غُزاة يريدون أخذ أماكن الأشخاص البيض. كان يستعمل أسماء الرجال الذين نفذوا مؤخرا إطلاق النار الجماعي ضد اليهود والمسلمين.

هناك ضرورة مُلحَّة اليوم للتصدي لمُروِّجي الخوف والتحامل.

لقد أظهر العلم أن البشر في مشوارهم التطوري لهم استعداد للانكفاء إلى مجموعاتهم عندما يخافون من الغرباء. لكنهم في أوقات السلم يعملون بالتعاون مع الآخرين لما فيه خير الجميع.

وجد الباحثون أن إحدى الأدوات القوية لزيادة التسامح والتعاطف والاحترام هي زراعة التواضع الفكري والتواضع العام.

يتضمن ذلك وجود عناصر مثل الرغبة في رؤية الذات ومكانة الشخص في العالم بطريقة صحيحة، وكذا الانفتاح على الأفكار الجديدة والقدرة على الاعتراف بالأخطاء والقصور الشخصي، وفي نفس الوقت القدرة على الاعتراف بقوى الآخرين وتقدير قيمة كل الأشياء، بما في ذلك رؤية نقاط قوة الآخرين ومساهماتهم.

في هذه الموجة الجديدة من معاداة السامية، يجب أن تؤخذ في الاعتبار العديد من المُّتغيِّرات لتجنب الوقوع في التبسيط، على الرغم من أن مثل هذا التفكير الخطي والتبسيطي يسود في أوساط العنصريين ومعادي السامية.

يمكن العثور على إحدى علامات الأمل الدائم لعكس اتجاه نمو معاداة السامية وغيرها من الشرور في الترحيب البسيط الذي عبَّر عنه المسلم المُسِن تجاه المُسلَّح عندما دخل مسجد “النور” في “كرايست شيرش” قائلا له: “مرحباً يا أخي”.

ويمكن العثور على مثل هذا الأمل في الشعار التاريخي للجمعية العبرية لمساعدة المهاجرين: “رحِّب بالغريب. احمِ اللاجئ. ”

“بيدرو بريجر”، عالم اجتماع وصحفي أرجنتيني، هو مدير “نودال” (NODAL)، وهي بوابة إخبارية عن أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.