غلوبل بلوس: هل سينتهي الاستثناء الأمريكي؟ الولايات المتحدة جزء من اتجاه الغرب نحو العلمانية

كتابة يوم

التصنيفات أخبار وإعلانات, جميع المشاركات, غير مصنف, مقالاتالوسوم , , ,

 

يوم حافل في مدينة نيويورك.

جيل بعد جيل ، المزيد من الأميركيين يعتنقون نظرة لا دينية إلى العالم.

بقلم يورج ستولز*

لكي أقول الحقيقة، عندما ذهبت في عام 2016، كما أفعل في كل عام، إلى مؤتمر للدراسة العلمية للدين في أتلانتا، لم أكن أتوقع أن أتفاجأ. إن هذه المؤتمرات ممتعة، يُمكنك أن تطَّلِع على أعمالٍ جيدة، وتلتقي زملاء في فندق “ستاربكس” – لكنك نادراً ما تُشعرك نتائج هذا المؤتمرات بالحيرة.

لقد كنت مخطئا.

في إحدى الورشات، قدَّم الباحث الشاب “سيمون براور” بحثا تركني، والكثير من زملائي، عاجزين عن الكلام. لقد أظهر أن الولايات المتحدة ليست فقط على طريق العلمنة المتزايدة، فقد أظهر ذلك من قبله العديد من العلماء، لكنه أثبت أن المسار الذي سلكته الولايات المتحدة كان، على ما يبدو عليه وبالضبط، نفس المسار الذي سلكته جميع الدول الأوروبية.

لقد أكَّد “براور” فرضية تم وضعها في مقال حائز على جائزة من قبل عالم الاجتماع الديني البريطاني “ديفيد فويس”  في عام 2009، والذي دمَّر صحة الحديث عن “الاستثنائية الأمريكية”.

لم أكن الشخص الوحيد الذي أُصيب بالدهشة – حتى “براور” نفسُه اُصيب بها.

عندما تحدثتُ إلى “براور” لاحقًا، اِعترف بسهولة: “عندما نظرتُ إلى البيانات لأول مرة، كان من الصعب أن أؤمن بمدى ملاءمة البيانات الأمريكية للنموذج المطروح”. لقد ظهرت النتائج الآن في مجلة “الدراسات العلمية للدين”. العنوان المناسب لهذا الموضوع هو: “التَّراجع المفاجئ للدين في الولايات المتحدة”.

إن النَّظرية التي تثبَّتَ من صحتها “براور” والتي كان قد صاغها “فويس” كانت قد سُمِّيت “نظرية “الانتقال العلماني”، وهي نظرية بسيطة للغاية. وفقًا لهذه النظرية، لدى كل من الولايات المتحدة والدُّول الأوروبية ماضٍ متديِّن للغاية، فجاءت الحداثة فدمَّرت هذا الدين والتَّديُّن، ولكنها فعلت ذلك بطريقة خاصَّة للغاية. في الواقع، أثَّر التحديث – التعليم العالي ودولة الرفاهية والديمقراطية والابتكارات التقنية والطب الحيوي- بشكل أساسي على الأجيال الشابة وأضعفت من علاقاتهم الاجتماعية الدينية.

وتأثير هذا هو أن كل جيل في الدول الحديثة يكون، في غالبيته، أقل تديُّناً من الجيل السابق، وهذا لأن الأطفال لا يتأثرون بالمجتمع فحسب، بل يتأثرون بآبائهم أيضًا، وهذا ضمن عملية “تعزيز الذات”، حيث تخلق الأجيال السابقة والأقل تديُّناً على نحو متزايد أجيالاً لاحقة تكون أكثر علمانية من الأجيال السابقة.

بينما كان آخرون قد أشاروا إلى هذه الآليات، فإن الشيء المُتميَّز في نظرية “فويس” هو ما يلي: جميع الدول الغربية تتَّبِع نفس المسار بالضبط: يبدؤون من كونهم (تقريبًا) مُتديِّنين جدًا. لا يُنتج المجتمع على الفور “شعبًا علمانيًا” بأعداد كبيرة، ولكن يُنتج أشخاصًا يُظهِرون تديُّنًا متوسطًا يُطلق عليه “فواس” “الإيمان الغامض”. يرتفع منسوب هذا الإخلاص الغامض بمرور الوقت، إلى أن تعيش غالبية السكان مثلَ هذه الحالة الدينية – ولكن بعد ذلك يرتفع أعداد العلمانيين إلى أن يُصبح المجتمع علمانيًا إلى حد كبير. تستمر العملية الكلية نحو 200 سنة.

مشهد من حفل زفاف.

ما هو مختلف الآن؟ هل تديُّنك غامض؟

إذا كان كل شيء بهذه البساطة، فلماذا لم يلاحظ علماء الاجتماع هذه الظاهرة في وقت سابق؟

حسب كل من “فويس” و”براور”  فإنَّ البلدان التي نلاحظها حاليًا إنما تمرُّ بنقاط زمنية مختلفة من المرحلة الانتقالية. ففي الواقع، إن الوقت الذي يدخل فيه بلدٌ ما في الانتقال العلماني هو الشيء الوحيد الذي يختلف بين الدول. وهكذا، تقدمت الجمهورية التشيكية، وهي دولة علمانية للغاية، بأكثر من 150 عامًا عن نظيرتها اليونان، وهي دولة لا تزال متديِّنة جدًا. تُعتبر الولايات المتحدة في مكان ما في منتصف العملية، وراء النمسا، ولكن قبل فنلندا.

واحدة من الأشياء المثيرة للاهتمام في النظرية هي أنها تُسلِّط الضوء على ظاهرة ما يسمى “بأصحاب التديُّن الغامض”. إنهم أشخاصٌ مثيرون للاهتمام وغالبًا ما يتم تجاهلهم.

ففي دراسة أجريتها مع زملائي في سويسرا، تمكنَّا من استخدام مناهج دراسية مُختلطة للوقوف بشكل أوثق على ما يُفكِّر به ويصدِّقه “غامضو الايمان”. عمَّقَت هذه النتائج وعكست صدى دراسات على هؤلاء في بلدان أخرى.

في سويسرا ،  كان غامضو الايمان (نُسمِّيهم المُبتعدين عن الايمان لأن  كلمة “غامض الايمان” غير مناسِبة ولها صدى غريب باللغة الألمانية.) إلى حدٍّ بعيد أكثر المُجيبين عن أسئلتنا، والذين يُشكلون أكثر من نصف السكان. لا ينتمي “غريبو الايمان” إلى المتدينين بشكل واضح. ومع ذلك، لا يمكن تسميتهم بالعلمانيين أيضًا، لأنه لا تزال تظهر عندهم عددًا معينًا من العناصر الدينية، سواء كانت معتقدات مُعينة أو ممارسات عرضية أو عضوية رسمية.

قد يبدو هذا مألوفًا؟ قد يكون ذلك، لأن هناك احتمال كبير، أيها القارئ، أن تكون من غامضي الإيمان أنت أيضا.

لدى غامض الايمان بعض المعتقدات والممارسات الدينية والروحية، ولكنها ليست مُهمة بشكل خاص في حياتهم، وعادة ما يتمُّ تنشيطها فقط في حالات نادرة. غالبًا ما يعتقد هؤلاء أنَّ هناك “شيءٌ أعلى” أو أن هناك “طاقة” ما، لكنَّهم لا يريدون أن يكونوا أكثر تحديدًا في هذا الشأن. قد يذهبون إلى الكنيسة للاحتفالات الكبرى (خاصة في عيد ميلاد المسيح)، ولكن لا يتم انجذابهم إلى أماكن العبادة لأسباب أخرى. عادة ما يشيرون إلى أنفسهم على أنهم أعضاء في إحدى الطوائف الرئيسية – لكن الانتماء الديني ليس له أهمية كبيرة في حياتهم اليومية.

بالنسبة لغامضي الايمان، لا تمنحهم الكنائس كثيرًا على المستوى الشخصي، لكنهم ما زالوا يشعرون ببقايا الترابط التي تمنعهم من مغادرة كنيستهم.

خذ على سبيل المثال مجيبًا من مجيبي دراستنا السويسرية، “كاتلين”، أكاديمية متقاعدة. بعد طلاقها، تم طردها من الكنيسة الكاثوليكية وتوقفت عن الذهاب إلى الكنيسة بالكامل. لقد تغيَّر إيمانها بالله إلى حد كبير، لكنها تقول أنها لا تزال تؤمن بطريقة معينة. إنها “غامضة الإيمان”.

أو خُذ “ديبورا” على سبيل المثال. إنها سكرتيرة تبلغ من العمر 41 عامًا. من الناحية الرسمية هي عضو في “الكنيسة البروتستانتية”. تصف “ديبورا” نفسها بأنها “لا دينية ولا روحية”، لكنها، في الوقت ذاته،  تعتقد أن هناك إلهًا على “شكل ما” ينظر في سير الأمور. إنها تعتقد أيضًا أن هناك حياة بعد الموت. لكن ليس لهذه المسائل أهمية كبيرة في حياتها. انها “غامضة الايمان”.

يخبرنا نموذج التحول العلماني أن “غامضي الايمان” ما هم إلا ظاهرة مؤقتة فقط، وسيكون أولادهم أنفسهم غامضي الايمان أو علمانيين، وعلى المدى الطويل سيكون العلمانيون – أي أشخاص دون أي معتقد أو ممارسات دينية – هم الأغلبية.

الكنيسة من الداخل

أسئلة، شكوك والحاجة لمزيد من البحث

لكن انتظر! هل يُمكن أن يكون كل هذا صحيحًا؟ ورقة “براور” حول حالة الولايات المتحدة هي دليل قوي على قوة وصدق النموذج. ولكن، قد يبقى هناك شُكوك.

يمكن أن تحوم شُكوكٌ حول البيانات. ففي الواقع، لا تتصرف جميع الدول بنفس الطريقة التي تتصرف بها الولايات المتحدة. فقد اعترف “فويس”، في مقالته الأولى، أن الفرنسيين خرجوا عن توقعات النموذج – من كان يظن هذا؟ إيرلندا وخاصة إسرائيل هي بلدان أخرى (إيرلندا بشكل أخف من إسرائيل) انحرفت أيضا عن هذا النموذج.

يجادل بعض العلماء بأن البيانات لا تُظهر انخفاضًا في “التَّدين الجاد” في الولايات المتحدة. ويتوقع “إريك كوفمان”، من جامعة لندن، في كتابه “هل سيرث المتدينون الأرض؟: الديموغرافيا والسياسة في القرن الحادي والعشرين”، أن آثار الهجرة من البلدان الدينية وكذا الخصوبة الدينية ستعكِس عملية العلمنة في الغرب.

هناك شكوك أخرى تتعلق بالعمومية. لقد تم تطبيق هذا النموذج بنجاح على أوروبا الغربية والولايات المتحدة، لكن هل يمكن تطبيقه على المناطق الأخرى في العالم؟ ماذا عن الدول غير المسيحية؟ هل من المفترض أن يعمل نموذج التحول العلماني هناك أيضًا؟

أخيرًا، هناك شكوك تتعلق بفلسفة العلوم الاجتماعية. أخبرنا فلاسفة اجتماعيون بارزون من “كارل بوبر” إلى “أنتوني جيدينز” مرارًا وتكرارًا أنه لا يمكن أن توجد قوانين في العلوم الاجتماعية. سُرعة الضوء وقوى الجاذبية والغازات – كلها تتصرف وفقًا للقوانين – ولكن ليس هذا حال البشر مع عاداتهم المزعجة مثل تغيير آرائهم فجأة أو إفساد مخططات معاصريهم عن قصد.

لكن أليس نموذج “فويس” هو بالضبط مثل هذا “القانون الاجتماعي”؟

إن هذا ما يقودنا إلى الاستنتاج الذي كان متوقَّعًا: هناك حاجة إلى المزيد من البحث.

لا يمكن لأحد التنبؤ بالمستقبل على وجه اليقين.

ولكن إذا كان “فويس” و”بوير” على حق، فسيتعيَّن على الأميركيين التَّخلي عن اعتقادهم بأنهم “استثنائيين” من الناحية الدينية. سيظل، ولمدة 25 عامًا أخرى، عدد “غامضي الايمان” الأمريكيين  ينمو وبعد ذلك سينخفض لإفساح المجال لعدد متزايد من العلمانيين.

*”يورج ستولز” أستاذ علم اجتماع الدين بجامعة لوزان، وهو الرئيس الحالي للجمعية الدولية لعلم اجتماع الدين.