غلوبل بلاس: قد يكون الإيمان النشط مفتاحا لحياة أطول وأكثر صحة

كتابة يوم

التصنيفات أخبار وإعلانات, جميع المشاركات, غير مصنف, مقالات

يبدو أن خديجة، وهي امرأة جزائرية مسنة، لم تفهم في البداية السؤال عندما سُئلت عن الدور الذي يلعبه دينها ومعتقداتها في حالتها الصحية.

لقد اعتمدت خديجة بشكل غريزي على الإسلام كامرأة شابة عاشت في القرى النائية في أعالي جبال البربر خلال فترة الرعب التي سادت المنطقة أثناء الكفاح من أجل الاستقلال عن فرنسا في سنوات الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي.

اليوم، خديجة تعيش مع زوجها وابنتها في شقة بالعاصمة الجزائرية، وتقضي معظم وقتها بالقرب من جهاز الراديو أو تلفازها تستمع إلى القرآن الكريم.

بعد الكثير من التفكير، حوَّلت خديجة تركيزها من تلك الذكريات إلى النظر مباشرة إلى محاورها، واختلطت داخل عينيها مشاعر العاطفة و بمشاعر العزيمة، وقالت: “يوفر الدين شعورًا مليئا بالراحة والطمأنينة. لا شيء يجعلني قويًة جدًا ويشجعني في مواجهة كل الأوقات الصعبة التي أمرُّ بها خلال حياتي. الإيمان يعني الصحة “.

وتختتم خديجة المقابلة وهي تهز رأسها من اليسار إلى اليمين، وتسمح بابتسامة صغيرة على وجهها البريء، قائلة: “لا يمكنني أن أتصور الحياة بدون دين”.

إنها ليست لوحدها.

إن العلوم الاجتماعية والطبية معا تُقدم أدلة متزايدة لدعم كيفية تعزيز الدين لصحة أفضل، بما في ذلك العيش لفترة أطول.

تأمل نتائج هذه الدراسات الثلاث الأخيرة:

أُجريت دراسة على ما يقرب من 15000 شخص في دراسة حول الصحة والشيخوخة في المكسيك للفترة ما بين 2003-2015. تتمثل النتيجة الرئيسية لهذه الدراسة في أن المكسيكيين الأكبر سناً والذين يشاركون مرة واحدة أو أكثر أسبوعيًا في الأنشطة الدينية يُظهرون انخفاضا بنسبة 19 في المائة فيما يتعلق بخطر الموت من أولئك الذين لم يُشاركوا في مثل هذه الأنشطة الدينية..

وفي دراسة أمريكية لحوالي 75000 امرأة من عام 1992 إلى عام 2012، ارتبط الحضور الديني المُتكرر بحالات وفاة أقل بالثلث مقارنة بالنساء اللواتي لم يسبق لهن حضور الصلوات الدينية.

ولقد وجدت دراسة حلَّلت ثلاث دفعات من كبار السن في تايوان أن الحضور والولاء الدينيين يرتبطان بحياة أطول.

لماذا يا تُرى يُعزِّز الدين صحة أفضل وعمرا أطولا؟

الباحثون يقترحون أن هناك عدة أسباب.

تتراوح هذه الأسباب بدءا من شبكات أصدقاء مقربين داعمين من النوع الذي يمكن أن تقدمه الجماعات الدينية وكذا  التعاليم الدينية التي تثبط السلوكيات الخطرة ووصولا إلى التأكيد على أن الله المُحب يقف إلى جانبهم.

هناك حدود طبعا. لا أحد يزعمُ أن الدين يمكنه التنبؤ بصحة أطول في الحالات الفردية.

وصحيح أيضًا أن هناك العديد من جوانب الحياة الدينية التي يمكن أن تُعرِّض الصحة العامة للخطر، مثل القرارات التي تتخذها بعض دور العبادة لعقد تجمعات كبيرة تعرض مجتمعات بأكملها للخطر خلال وباء فيروس كورونا.

لكن هذه الموجة الضخمة من البحوث تساعد المجتمعات الدينية والمهنيين الطبيين على حد سواء على فهم الآفاق الواعدة والمزالق المتوقعة المتعلقة بالعلاقة بين الإيمان والصحة.

في النهاية، فإن إمكانية عمل العلم والدين معًا من أجل الصالح العام يحمل وعودًا كبيرًا لتحسين الصحة العالمية خلال الوباء وما بعده.

جورجيو فورنازيي وعائلته

فوائد الإيمان

في ليمانا، وهي بلدة صغيرة تقع في شمال شرق إيطاليا، يعمل “جورجيو فورناسيير” كمغني وعضو في رعيته الكاثوليكية، حيث ينظم أيضًا أرشيف الكنيسة.

“أعتقد بقوة أن الدين يُحسن نوعية الحياة. أنا نفسي دليل على ذلك “. يقول فونازيي ، مضيفا: “الإيمان الحقيقي مرتبط بالصفاء ويساعدك على التأقلم والتغلب على التحديات التي تجلبها الحياة”.

لقد تم تحدي إيمانه في وقت مبكر عندما تم تشخيص ابنه “دانييل” باضطراب وراثي نادر يعرف باسم متلازمة “برادر ويلي”. وردًا على ذلك، أصبح “جورجيو فورناسيير” لاحقًا رئيسًا للمنظمة الدولية غير الربحية للأمراض النادرة.

في سن 72، مع مزيد من الوقت وقلة المشاغل، يقول إن ممارسات مثل الصلاة والنشاط في مجتمعه الرعوي نتج عن عنه عنده نضج كبير ووعي أعمق بالإيمان.

بينما يفكر في كثير من الأحيان في الموت، قال “جورجيو” بأنه لا يخيفه. وفي إشارة إلى الله بصفته “المدير العظيم”، يضيف: “البنك الوحيد الذي يقر بفوائدك يوجد فوق، وهو يفعل ذلك عندما لا تتوقع ذلك”.

لا يقتصر الأمر على المؤمنين وحدهم الذين يجدون دليلاً على وجود ارتباط بين الإيمان والصحة.

عقود من التوسع في البحوث العلمية، يثق العديد من العلماء المختصين في الدين والصحة في بأن هناك أدلة قوية على أن الممارسات والمعتقدات الدينية تفيد شرائح كبيرة من السكان.

أسباب ذلك تشمل ما يلي:

لستَ وحدك: في حين أن البحث عن الوحدة يوثق مخاطر الصحة العقلية المحتملة لقلة الاتصال البشري، فإن الشبكات الاجتماعية النابضة بالحياة والتي يمكن أن تقدمها المجتمعات الدينية للأعضاء يمكن أن تكون ميزة صحية كبيرة، خاصة بالنسبة لكبار السن. فقد وجدت دراسة حديثة تحلل بيانات من دراسة ايرلندية عن الشيخوخة، وجدت أنه كلما كان الحاضرون الدينيون المواظبون يتمتعون بشبكات اجتماعية أكبر، كلما قل احتمال اصاباتهم بعلامات سوء الصحة العقلية.

إن وجود إله مُحب إلى جانبك يُحدث فرقًا أيضًا: وجدَت العديد من الدراسات أن الارتباط بين صورة لإله عادل ورحيم له فوائد مثل النوم الجيد في الليل، وتقدير أكبر للذات، واحتمال أقل للقلق أو الاكتئاب و امتلاك شعور أكبر بالتفاؤل والأمل حتى أثناء مواجهة المواقف العصيبة.

الصلاة والعبادة والتأمل والسلام الداخلي: ترتبط الممارسات الروحية الشخصية ارتباطًا وثيقًا بالصحة. يقول الأستاذ “جوليان هيوز”، وهو مرجع في ميدان الخرف وعضو في المجلس الاستشاري الإكلينيكي لمجلة أخلاقيات مهنة الطب: “يمكن للصلاة أن تساعد في تقليل القلق”، مضيفا: “هناك تشابه وهناك دليل على أن اليقظة الذهنية تفيدنا. عندما لا تفكر في أي شيء آخر يحدث في حياتك، فأنت تعيش نوعا من الهدوء. قد يكون فعل الصلاة في حد ذاته مُهدِّئًا ومفيدًا لك “.

تعزيز الصحة من خلال الكتاب المقدس والتقاليد. تُعامل معظم الديانات الرئيسية الجسم كهدية إلهية وتُصدر مواعظ ضد السلوكيات المُضرة مثل الكحول أو تعاطي المخدرات والشراهة والاختلاط. وتظهر الأبحاث أن الأفراد المتدينين، بمن فيهم المراهقين والشباب، يميلون إلى أخذ هذه التعاليم على محمل الجد. يقول سمير، مهندس معماري متوسط العمر من الجزائر: “إن التدين الصحيح يمنح الناس صحة جيدة ويجعل حياتهم أطول”، ويُضيف نفس المتحدث: “هذا أمر منطقي، عندما يكون لديك دين يرشدك طوال حياتك لتكون نظيفًا، ولتتناول طعامًا صحيًا، وتفعل كل شيء للمحافظ على لياقتك، حتى الصلوات اليومية التي تفرض عليك الذهاب والعودة إلى المسجد على أساس يومي، والصوم أثناء شهر كامل كل هذا يشارك في لياقتك الصحية.”

وفي الأوقات الصعبة مثل وباء فيروس كورونا، تساهم جميع هذه العوامل أيضًا في الشعور بالمعنى والتفسير النهائي مما يمكن أن يعزز الشعور بالسلام على الرغم من المخاوف المحيطة بالفيروس.

السلام الذي شعر به لاجئ أفريقي في رحلة خطيرة إلى أوروبا.

لمدة 10 أشهر، في رحلة من وطنه غامبيا، قال المراهق أن نفس الصلاة اليومية المُستمدة من القرآن هي أول شيء يفعله في الصباح وآخر شيء يقوم به قبل النوم.

الكلمات “أعوذ بالله مُحب البشرية” مدَّته بالقوة أثناء سفره من غرب إفريقيا إلى النيجر، عبر الصحراء، وصولاً إلى ليبيا ، حيث تم اعتقاله قبل عبور البحر الأبيض المتوسط على متن قارب قابل للنفخ وممتلئ بأعداد كبيرة من المهاجرين، حتى وصل إلى الساحل الإيطالي في عام 2016.

“لم أكن لأتمكن من الوصول إلى هنا بدون إيماني وديني”، قال الشاب المُتدين الذي طلب عدم نشر اسمه، مُضيفا: “لقد أبقاني على قيد الحياة”. “لقد أعطاني الله هذا الجسد وإنه لمن مسؤوليتي أن أحافظ على صحته، وإذا اتبعت تعاليمه فإنني سأعيش أطول”.

مسجد وزير خان

عبور الحواجز لمستقبل أكثر إشراقا

لا تكشف هذه البحوث فقط الفوائد الوقائية للدين، ولكنها تُلقي الضوء أيضا على الطرق التي يمكن أن يُعرض الدين بها الصحة العامة للخطر.

بينما يتعمق العلماء في العوامل التي تدعم أو تقوض روحانية صحية، فإنهم يجدون خصائص متنوعة مثل صورة الفرد عن الله أو تفسيرات للنصوص المقدسة أو علاقاتهم مع أفراد المجتمع الآخرين، كل هذا يمكن أن يؤثر على صحتهم.

لذلك، فعلى سبيل المثال، بينما يُعد الإيمان بإله مُحب ورحيم له فائدة صحية ووقائية، فإن الإيمان بإله بعيد وصارم الأحكام على الناس، فإن ذلك يرتبط بالإدمان وزيادة الضغط والقلق وحالات الصحة العقلية مثل الاكتئاب.

وبينما يكون التعامل مع بعضنا البعض بالتعاطف والاحترام مُقوِّيا للشبكات الاجتماعية الإيجابية التي توفر الدعم والراحة للناس، فإنه يمكن للقادة الدينيين والمؤمنين المتعصبين بشكل مفرط أن يساهموا في زيادة الخوف والشعور بالعار والذنب وتمزيق المجتمعات.

ما يدعو إليه عدد متزايد من الدراسات هي الطرق التي يجدر للعلم والدين العمل معًا فيما يخص تطبيق الاكتشافات الجديدة في الطب والمجالات الأخرى والتي لديها القدرة على تخفيف المعاناة وتوفير المزيد من العمر المليء بالصحة البدنية والعقلية.

تشير العديد من الدراسات إلى أن أفضل النتائج في كثير من الحالات تتحقق عندما يتعاون العلم والدين، على سبيل المثال، مع المجتمعات الدينية في توعية أفرادها حول مواضيع مثل الحاجة إلى التباعد الاجتماعي أثناء الوباء، وكذا إدراك الأطباء لكيف لعب المعتقدات الدينية دورًا رئيسيًا في الحالة الصحية لمرضاهم.

كانت “المقاربة الشاملة” هي النصيحة المقدمة من طرف العديد من العاملين في مجال الرعاية الصحية والخبراء الدينيين الذين حضروا” ندوة الدين والأخلاقيات الطبية”، والتي استضافتها بشكل مشترك “قمة الابتكار العالمية للصحة” و”أكاديمية البابوية للفاتيكان للحياة” في مدينة “روما” شهر ديسمبر الماضي.

قال مونس فينتشينزو باجليا، رئيس الأكاديمية البابوية: “ليس هناك شك في أن التدين يوفر نتائج إيجابية”. “يذكرنا الإنجيل بأن الإنسان لا يعيش على الخبز وحده، بل يعيش الإنسان بشكل خاص على الحب وأنه حيث يوجد الحب توجد طاقات أكبر، وإمكانات، وهناك عملية نمو تُنتج علاقات الحب ولا تُنتج الصراع.”

“وأين ينمو الحب تتقوى الحياة”.

* إليسا دي بينيديتو ، المديرة المشاركة للرابطة الدولية لصحفيي الدين ومحررة موقع الرابطة الالكتروني، وكاتبة مستقلة مقرها في إيطاليا.

* العربي مقاري ، المدير المشارك للرابطة الدولية لصحفيي الدين ومحرر موقع الرابطة الالكتروني، وكاتب مستقل مقيم في الجزائر.