غلوبل بلوس: التواضع والقيادة الدينية

كتابة يوم

التصنيفات أخبار وإعلانات, جميع المشاركات, غير مصنف, مقالات

 

البابا فرنسيس يضع يده على رجل مصاب ببثور

الأخطار المتزايدة لنرجسية رجال الدين وبعض الحلول المتواضعة

بقلم ستيفن سانديج * وديفيد بريجز *

هل القس الخاص بك أو الإمام أو الحاخام نرجسي؟

ربما هم يشعرون بالخوف أو التهديد من قبل الآخرين، وتجدهم غير قادرين على الاستماع بشكل فعَّال لأعضاء الجماعة أو الموظفين. قد يحتفظ رجال الدين الرئيسيون الكلمة النهائية في كل قرار لصالحهم، وهذا بغض النظر عن مؤهلاتهم.

إذا كان الأمر كذلك، فإن مجتمعك ليس وحده.

وجدت موجة جديدة من الأبحاث التي تتناول القيادة الدينية أعدادًا كبيرة من رجال الدين الذين يُظهِرون أدلة على صراعهم مع العلامات السريرية للنرجسية.

تشمل الاكتشافات المثيرة للقلق هذه الاتجاهات الدينية الليبرالية والمحافظة معا، ويمكن العثور على هذه الظاهرة في كل من الزعماء الإنجيليين البروتستانت والكاثوليك، وكذلك بين الحاخامات والأئمة.

في عام 2018، قررت كنيسة إنجلترا النظر في تطبيق اختبارات سيكلوجية على المُرشحين من رجال الدين وسط مخاوف متزايدة من ظاهرة النرجسية بين القادة الرعويين.

وفقًا للاكتشافات المتواصلة للدراسات، فإن القضية في غاية الخطورة.

يمكن أن تؤدي الصورة الذاتية المتضخمة والسلوك الاستبدادي إلى صراع أو ضجر وانفصال يؤدي إلى تقويض حيوية الجماعة. في أسوأ حالاتها ، يمكن أن يؤدي الشعور القوي بالعظمة والانفصال إلى سوء المعاملة.

في سياق وباء فيروس كورونا الحالي، كانت هناك عدة حالات في جميع أنحاء العالم حيث انتشر الفيروس المميت بسبب تجاهل الزعماء الدينيين تحذيرات بشأن مخاطر عقد تجمعات كبيرة للعبادة.

كما أنها أصابت رجال الدين أنفسهم.

ربطت الدراسات الحديثة بين نرجسية رجال الدين ومشاكل الصحة العقلية، وبتوهم بالكمال، والتوتر وكذا انعدام التعاطف مع النفس ومع الآخرين.

وفي إحدى النتائج المثيرة ، تشير أحدث البيانات من دراسة صحفية أجراها فريقي البحثي في جامعة بوسطن إلى أن ما يصل إلى 30 في المائة من القادة الدينيين الذين شملهم الاستطلاع أظهروا أعراض الصدمة عند مستوى “اضطراب ما بعد الصدمة”.

ومع ذلك، فقد وجدت الأبحاث أن هناك قوة مناقضة قوية، والتي تستند على فضيلة اعتنقتها معظم الديانات الرئيسية في العالم:

التواضع.

مفارقة التواضع – الدين

“إن ارتداء طوق يجعلني أظهر كرجل دين يتحدى التواضع لأن الناس، حتى الغرباء منهم، يرفعونني إلى مكانة أعلى وربما يرجعون إلي في مجالات تتجاوز خبرتي”. –رجل دين بروتستانتي في منتصف الأربعينيات-.

هناك مهن، مثل الأطباء والعمل في الجيش، التي تُعتبر من غير المرجح أن يكون القادة فيها متواضعين لأنهم من المُنتظر منهم لاتخاذ قرارات حياة أو موت الشيء الذي قد لا يُوفِّر الكثير من الوقت لهم للمناقشة.

خذ بعين الاعتبار رجل الدين، والذي من المشهور عنه أنه لديه اتصال إلهي خاص، اتصال يُنظر إليه في العديد من الديانات أنه يُوجِّه أتباعه إلى حياة أبدية أفضل.

إن موازنة الدعوة لتكون خادماً متواضعاً بينما، وفي نفس الوقت، يُتوقع منك الحصول على جميع الإجابات بدءا من جميع أمور الإيمان إلى ما سيتم تقديمه في نزهة الجماعة هو جزء مما يشير إليه العديد من الباحثين على أنه مفارقة “التواضع – الدين”.

كما قال أحد القساوسة الإنجيليين، في منتصف العمر، للباحثين: “من الصعب أن تكون متواضعاً عندما يتعين عليك الترويج لنفسك كخبير وصاحب سلطة.”

يأتي الضغط نحو النرجسية من مصادر عديدة، بما في ذلك أفراد المجتمع الديني الذين يضعون الزعماء الدينيين على قاعدة التمثال.

إنها فكرة وجود سلطة إلهية خاصة والتي غالباً ما يتم تعزيزها من قِبل مسؤولي الطوائف.

لذلك ليس من المستغرب أن يَعبُر العديد من رجال الدين الخط الرفيع بين التواضع والنرجسية.

في الآونة الأخيرة، عبَّرت فرق من الباحثين، من الذين أجروا العديد من الدراسات حول التواضع والنرجسية بين رجال الدين العديد، عن مخاوف تتطلب الاهتمام. ضمَّت الفرق 17 باحثًا من تسعة تقاليد دينية تابعة لمعهد “دانيلسون” وكلية اللاهوت في جامعة بوسطن.

وجد هؤلاء الباحثين أن الزعماء الدينيين عُرضة لكل الأشكال الشائعة للنرجسية.

النرجسية الأكثر شيوعًا هي النرجسية العظيمة، والتي يمكن أن تنطوي على تجاهل كل من التأمل الذاتي في نقاط الضعف والنقد الآت من الآخرين، حيث ينظرون إلى أنفسهم على أنهم يتمتعون بمكانة مميزة عند الله والتي تجعلهم أعلى من الآخرين. يمكن أن ينطبق هذا على رجال الدين الذين يسعون إلى السلطة والسيطرة في جميع جوانب الحياة الجماعية الدينية وتبني سلوك استبدادي مُتسلِّط.

والنوع الثاني هو النرجسية الضعيفة، حيث لا يزال الأفراد يبحثون عن المركز والثناء، ولكنهم يعانون أيضًا من فرط الحساسية والقلق والاكتئاب وقلة احترام الذات.

قد ينكرون احتياجاتهم الخاصة لتلبية توقعات غير واقعية، ويشعرون بالخجل والذنب عندما لا يستطيعون الوفاء بمعايير الكمال. يمكن أن تكون النتائج مدمرة للذات.

قال الباحثون إن مشكلة النرجسية تبدأ جزئياً في المعاهد الدينية، حيث يكون رجال الدين المحتملين غير مُهيئين لتحقيق المثالية والثناء الانفعالي للعديد من المصلين والتوقعات غير الواقعية التي تم التغاضي عنها.

لكن محاربة النرجسية هي أيضًا جزء من رحلة العمر عند الكثير.

يمكن لرجال الدين أن يجدوا أن متطلبات وامتيازات الدور الذي يقومون به يمكن أن تؤدي إلى النرجسية بمرور الوقت. في المقابل ، يُثير هذا مخاوف يمكن أن تؤدي إلى الإرهاق، والصراعات النفسية، والصراعات العلائقية الكبيرة التي يمكن أن تصبح إشكالية للغاية.

كل شكل من أشكال النرجسية يمكن أن يجعل من الصعب على الزعماء الدينيين التعرف على المشكلة أو معالجتها حتى مع تدهور صحتهم وعلاقاتهم مع أعضاء الجماعة.

غالبًا ما لا يميل الأشخاص الذين لديهم سمات نرجسية وتواضع منخفض إلى طلب المساعدة، ولا يميلون إلى الاعتراف بضعفهم ولا يتعرفون بسرعة على حدود كفاءتهم.

التواضع الصحي

“أُدرك أن عملي وجهدي الشاق يخلق البيئة التي يريد الأطفال أن يكونوا هناك، أما وجود التواضع هو الاعتراف بعمل الله قبل عملي، ومن خلالي ، ومن حولي ” – زعيم الشباب الإنجيليين البروتستانتيين في أواخر العشرينات.

لقد اكتسبت فضيلة التواضع سمعة سيئة في الحياة الحديثة كدعوة غلى ضُعف الإرادة.

لكن الإجماع العلمي الذي تطور في العقد الماضي يُعرِّف الفضيلة على أنها الرغبة في رؤية الذات ومكان الشخص في العالم بدقة، والقدرة على الاعتراف بالأخطاء والمحدودية الشخصية والوعي بقوى ومساهمات الآخرين، وانخفاض التركيز على الذات والانفتاح على التعلم من الآخرين.

قام النهج متعدد الأبعاد الذي استخدمه فريق جامعة بوسطن بقياس مثل هذه خصائص: الرغبة في الانخراط في فهم دقيق للذات؛ توجه مُتقبَّل وقابل للتعليم تُجاه وجهات نظر الآخرين؛ قلة الاهتمام بالوضع الاجتماعي جنبًا إلى جنب مع التضامن القوي مع المظلومين؛ القدرة على التحكم في العواطف الواعية ، وخاصة الكبرياء والاحساس بالعار؛ وتقدير لقيمة الأشياء خارج الذات.

لحسن الحظ، فإن موجة الدراسات الجديدة المعنية بالنظر في تطبيقاتها على الزعماء الدينيين تجد العديد من الفوائد التي يمكن أن تُخفف من النزعات النرجسية.

في دراسة أجريت على 258 من الزعماء الدينيين، وجد باحثون في جامعة بوسطن اهتمامًا منخفضًا بالمكانة الاجتماعية مثل عدم الحاجة إلى الاعتراف الخاص والرغبة في الاعتراف عندما لا يعرفون شيئًا ما، وجدوا كل هذا مرتبطا بصحة نفسية أكبر وانخفاض مستويات مشاكل الصحة العقلية .

كما أن مقاييس التواضع الأخرى، مثل الرغبة في النظر إلى الذات بدقة، والتعبير عن تقدير قوة وإسهامات الآخرين والانفتاح على الآخرين، ارتبطت أيضًا برفاهية أكبر ومستويات منخفضة من النرجسية الضعيفة والضخمة على حد سواء.

يمكن أن يكون للتواضع بين الزعماء الدينيين فوائد خاصة أخرى والتي تُحسن صحة الجماعة بالإضافة إلى صحتهم أنفسهم. توصل البحث إلى أن أسلوب الاستماع وكون المرء متاحا لا يُقلل فقط من الصراع ولكن يمكن أن يساعد رجال الدين على بناء مجتمعات متنوعة ترحيبية من خلال التعلم من أفراد من مختلف الأعراق والتوجهات الجنسية.

إذن، فكيف ينتقل الزعماء الدينيون من النرجسية إلى التواضع؟

ما العمل؟

“بصفتي الراعي الرئيسي للكنيسة التي تضم 90 شخصًا، يُنظر إليَّ على أنني أكثر بكثير مما كنت سأهتم به. أنا أعمل لإشراك الآخرين في القرارات ووضع الآخرين في المقدمة، لذلك لا يُنظر إلي كثيرًا. ليس لديَّ خوف من القيادة، لكنني أعتقد أنه يمكنني أن أميل إلى الغطرسة، لذا أحاول أن أضع أشياء يمكن أن تساعدني على التواضع أو على الأقل مساعدتي في التفكير في الأمر. ” أنابابتيست كريستيان في أوائل الأربعين.

في دراسة شملت مقابلات مُعمقة مع ما يقرب من 300 زعيم ديني، اعترف العديد منهم بالحاجة إلى التواضع، خاصة في وقت يتجلى فيه الاستقطاب في تجمعاتهم.

قال البعض إنهم يحاولون معالجة القضية ببعض الممارسات مثل الصلاة والتأمل الذاتي حول التواضع وتقاسم القيادة مع الآخرين ومحاسبة أنفسهم أمام الآخرين.

يبدو أيضًا أن رجال الدين أكثر تقبلاً للتعلم عن التواضع لأنهم يشعرون في تجمعاتهم الخاصة والثقافة الأوسع أنهم “في وقت يمر فيه الكثير من الناس بصعوبة في التحدث مع بعضهم البعض”..

لكن الباحثين يقولون إن النتائج العلمية الجديدة حول التواضع والنرجسية تشق طريقها ببطء إلى الواجهة.

تشير هذه الدراسات إلى العديد من الآثار العملية، منها:

التعليم: إعداد رجال دين للمستقبل يكونون واعين بالأخطار التي تنتظرهم من جراء التدريب الرسمي،  بما في ذلك المحادثات مع رجال دين أكثر خبرة حول تجاربهم الخاصة مع الإطراء والاحترام المفرطين. حتى في وقت تضييق الميزانيات، تحتاج المؤسسات الدينية إلى توفير موارد مثل الخلوات والندوات لمساعدة رجال الدين على التعرف على علامات النرجسية المرضية وتشجيع التواضع الصحي. يمكن أن تكون الممارسات الفعالة بسيطة مثل عدم كونك أول من يتحدث في الاجتماعات أو، الأفضل، عدم الذهاب إلى كل اجتماع.

الشفاء: توفير موارد أكبر للصحة العقلية، ومساعدة الزعماء الدينيين على اعتبار التعاطف الذاتي والرعاية الذاتية كعلامات على القوة تجعلهم قادة أفضل. وأشار الباحثون إلى ضرورة ضمان الخصوصية حتى يشعر رجال الدين بالحرية في الحصول على المساعدة التي يحتاجونه.

التعاون: تُعد العزلة الاجتماعية من أهم أسباب نمو النرجسية. لذلك يُمكن أن تكون مجموعات النظراء من رجال الدين والأصدقاء المُقربين مفيدة في مُساعدة الزعماء الدينيين على التعرُّف على احتياجاتهم بدقة. وتظهر الأبحاث أن الاحتكاك بأشخاص يمكن مُصارحتهم بالحقيقة هذا يمكن رجال الدين من معرفة الحقيقة من طرفهم.

من السخرية أنه من عواقب الاحساس بالكمال ومُطلق السلطة الوقوع، في كثير من الأحيان، في عبادة الأشخاص.

غالبًا ما يُصبح الزعماء الدينيون الذين يضعون أنفسهم فوق الآخرين في علاقتهم بالذات المُقدسة  منافسين لله في ممارسة السيادة على أتباعهم.

وعلى النقيض من ذلك، تُشير الأبحاث إلى أن الطريق المُختصر إلى التواضع الصِّحي هو قيام القادة الدينيين بتطوير علاقة ثقة وجو أمان مع الله، حيث يمكنهم الاعتراف بضعفهم، والاعتراف بمواهب الآخرين والالتجاء إلى إيمانهم من أجل السلام في الأوقات العصيبة.

بعبارات أبسط، هناك أوقات يكون فيها “اعتبار الله إلها” هو النهج الأكثر فعالية.

* “ستيفن سانديج” هو أستاذ لعلم النفس الديني واللاهوتي لدى “ألبرت وجيسي دانيلسن” بجامعة بوسطن ومدير الأبحاث في مركز دراسة الدين وعلم النفس.

* “ديفيد بريجز” يكتب عمود “Ahead of the Trends” حول التطورات الجديدة في البحث الديني لرابطة محفوظات بيانات الدين (ARDA).